من كل بستان زهرة
مواضيع مختلفة وعامه وثقافية واخلاقية

الإعلام العربي

 

الإعلام العربي

أزمة مفاهيم ومصطلحات

ــــــــــــــــــــــــــــ

د. حسين أبو شنب*

 

          تتأثر المفاهيم والمصطلحات بشكل أو آخر بالحقب السياسية والفكرية ذات التأثير المباشر في حياة المجتمعات وتنعكس على مفردات الإعلام بوجه عام وبخاصة في الشأن السياسي، أو على وجه أخص حين يكون هذا الشأن أشبه بالزلزال كما حدث في حالة اتفاق أوسلو في 13/9/1993، وهو الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي الذي صدع العقول والقلوب والوجدان، وترك مساحات واسعة من الاختلاف والتضاد والتصادم أحياناً وانبرى المندفعون من المؤيدين إلى إطلاق سراح الكلمات في التعبير نحو سلام واعد حالم سيقلب موازين الحياة وينقلها من الصراع إلى الوفاق ومن الدمار إلى البناء ومن الفقر إلى الغنى، ومن الدول النامية إلى دول الرفاه والتقدم.

          وعلى الجانب الآخر اندفع المعارضون والمترددون إلى كيل الاتهامات والبحث عن السلبيات، والتدقيق في الكلمات والتصريحات للتدليل على صدق توقعاتهم، وخاض الطرفان جدلاً ساخناً لا يخلو عند الطرفين في نهاية المطاف من استخدام  أداة الاستدراك "لكن" دون تسليم أو تنازل أو حتى التبسيط في استخدام المفردات والمصطلحات والإصرار على أن العبرة بالنتائج وأن الأيام القادمة ستكشف عن النصر الكبير لهذا الطرف أو ذاك من المختلفين حول اتفاق السلام تأييداً أو تعارضاً، غير أن معطيات الواقع وتداعياته دفعت الكثير من المعارضين إلى الانتقال إلى موقع المترددين أو الوسطيين أو البينيين ومن ثم إلى التسليم بالأمر الواقع والانتقال إلى حيث تقوم سلطة وطنية وحركة نشطة من تداول الرأي والتعبير سواء عن طريق الأحزاب أو الفصائل التقليدية المنتشرة في الضفة والقطاع.

          انتقل التراشق بين المؤيدين والمعارضين لاتفاق السلام إلى وسائل الإعلام العربية والفلسطينية فقد تربع على عرش الإعلام الفلسطيني المندفعون نحو التأييد بوعي أو دون وعي ودفعهم هذا الاندفاع إلى إدارة الإعلام بالعاطفة وربما بالأمل الحالم الذي وعد به المبشرون بدولة سنغافورة الجديدة، فقد أخلصوا حقيقة لمفهوم السلام واعتقدوا خطأ أن الطرف الإسرائيلي يخلص النية للسلام وساقهم هذا الاندفاع  العاطفي إلى الاعتداء على قدسية المفاهيم والمصطلحات والتعامل مع الوهم على أنه حقيقة وأن الصراع هو نزاع بين طرفين متعادلين متفاهمين في سياق مفهوم دولي شامل يوفر العدل والأمن والسلام للجميع دون انحياز، فهذه دولة فلسطين التي تقوم على الأرض الفلسطينية ولها سماء ودماء وحدود، وبالتالي فالاحتلال هو استعمار، والمستوطنات هي مستعمرات، والقدس قدسان، العربية وهي الشرقية واليهودية وهي الغربية وغير ذلك من المفاهيم والمصطلحات التي وقع وما يزال يقع فيها الإعلام الفلسطيني ومعه للأسف الإعلام العربي بعضه وليس كله بالطبع.

   وفي هذه المعالجة نطرح بعض هذه المفاهيم والمصطلحات ونحاول قدر الإمكان معالجة بعضها وتبيان أغلاطها ومخاطرها وبخاصة بعد أن تبين بجلاء في ضوء مستجدات الأوضاع في الأرض الفلسطينية وحجم الاعتداءات الإسرائيلية ووحشية الممارسات الإسرائيلية بحق المواطنين الفلسطينيين، وأراضيهم وأشجارهم ومؤسساتهم وحياتهم، وبعد أن تبين خطأ التبشير بسنغافورة وأخواتها، واتضح عجز المؤسسات الدولية عن التفكير ولو شكلاً في إدانة الممارسة الإسرائيلية الوحشية والمتواصلة وبكافة أسلحة التدمير والقتل والتجريف والتخريب. فما هي هذه المصطلحات؟ وكيف نضعها في إطارها الصحيح؟

 الإعلام والمصطلحات

          اعتاد الإعلام العربي بوجه عام أن يستخدم بعض المصطلحات قبل وبعد اتفاق السلام في أوسلو عام 1993، وفي اعتقادنا أنه استخدام غير مقصود وإن كان ذلك لا يعفي من القصد والخطأ فلا يجوز أن يكون الإعلام العربي بإمكانياته وقدرات الرواد من  الإعلاميين البارزين وعاءً لترديد المتسلل من المفردات دون فحص أو تدقيق أو دراسة، ومن أمثلة ذلك القول عبر المؤسسات الإعلامية العربية في مجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون، وعرب إسرائيل، الخط الخضر، السكان الفلسطينيون، مناطق السلطة، مناطق الحكم الذاتي، جيش الدفاع الإسرائيلي، حكومة الوحدة الوطنية، الحل العادل لقضية اللاجئين، ولفظ إسرائيل مجردة، بالإضافة إلى مستعمرات بدلاً من مستوطنات، ومستعمر بدلاً من محتل والاستعمار بدلاً من الاحتلال وغير ذلك من المفردات التي يتطلب التوقف عندها ومعالجتها.

          في هذه المعالجة نتوقف عند أهم هذه المصطلحات التي تتبارى بعض المؤسسات الإعلامية، صحفية وإذاعية على تردادها صباحاً ومساءً، وبما يوحي بأن هذه المؤسسة أو تلك تقدم سبقاً إعلامياً وخدمة غير مسبوقة في مواجهة الإعلام الإسرائيلي ومن هذه المصطلحات:

أولا‌ً: مستعمرات واستعمار ومستعمر بدلاً من مستوطنات واحتلال ومحتل: في البداية لابد وان نسجّل بأن الذين وقعوا في هذا الخطأ "الخطيئة" ينطلقون من الظن بأن الحال تغيرت  وأن الأمل كبير في أن يتحول الاحتلال إلى استعمار، وتتحول المستوطنات إلى مستعمرات وفق المعايير الدولية القائلة بأن الاستعمار زائل وأن خطوة إزالة "الاستعمار الإسرائيلي" قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى وأن العالم كله يقف في هذا الخندق المطالب بزوال الاستعمار، أي أنهم يرون في "الاحتلال الإسرائيلي" استعماراً مماثلاً للاستعمار الأوروبي، ومن المحزن أن ذلك يتصدر بعض الصحف العربية ويقرع آذاننا بعض المذيعين وهم يتلون نشرات الأخبار أو أقوال الصحف أو ربما في تعليقاتهم الخاصة أو المنقولة عن مقالات بعض الكتاب الذين استهواهم حب الخلاص ولو على الورق، ومن ذلك بالطبع الصحافة الفلسطينية والإذاعة والتليفزيون، وغير ذلك من الصحافة العربية وبعض الإذاعات والتليفزيونات، العربية في إطار سياسة عامة مقصودة، وقد كتبت أكثر من مقالة في الصحافة الفلسطينية موضحاً هذه الأخطاء منذ بداية الزلل عام 1997 الذي جاء في أعقاب مذكرة من وزارة الإعلام إلى اللجنة الدائمة للإعلام العربي في 9/1/1996 والتي تهدف إلى تعديل بعض المفاهيم. فأين الصواب؟ مستوطنات أم مستعمرات؟

          من الطبيعي في مثل هذه الحال أن نلتزم التدقيق والفحص والعودة إلى الأصول والمراجع للوقوف على دقة المفردات قبل الحكم صواباً أو خطأ فالتقرير في مثل هذه الحالة صعب ومثير للجدل، فكان من الطبيعي الرجوع إلى القرآن الكريم فإذا الأمر واضح تماماً في سورة هود، الآية "61" فيقول تعالى: "وإلى ثمود أخاهم صالحاً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب". فالاستعمار هنا إعمار وبناء واستصلاح وتطور وتقدم وهو عمل محمود يثاب عليه من يقوم به بل وهو واجب أمر به الله تعالى بغرض التعمير والبناء والإنتاج.

          وهذا يتطابق تماماً مع ما ورد في معاجم اللغة العربية فيقال عمر المنزل بأهله فهو عامر وعمّر الدار أي بناها فهي معمورة واستعمره في المكان أي جعله يعمره وعمّر الأرض أي أمدها بما تحتاج إليه من كل شيء، والاستعمار القديم والجديد قصد المعاني النبيلة من الاحتلال والانتداب بغرض السيطرة وتوسيع دائرة النفوذ ونهب الثروات وجلب معه إلى حد ليس بالقليل أدوات الإعمار والبناء لخدمة أغراضه أيضاً وفق القوانين الدولية الموضوعية لمثل هذه السياسات ولو من حيث المبدأ. السـؤال… هل هذا ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي، هل هي قادمة من  أجل إعمار الأرض وبنائها وخدمة أبنائها ثم ترحل كغيرها من دول الاستعمار؟ هل هي بما تمارسه من أساليب وممارسات وحشية بالغة بحق الأرض والشجر والحجر والإنسان دولة استعمار؟ هل الاستيلاء على الأرض واغتصابها وطرد أهلها وأصحابها وقتل من يقف في طريقها هو استعمار لهذه الأرض وإعمارها؟ وهل ما جرى في جبل "ابو غنيم " من استيلاء واغتصاب للأرض وإقامة البنيان عليه هو من أجل الإعمار لنا ولخدمة أبنائنا؟ وهل ما يجري اليوم من بؤر استيطانية هنا وهناك هو من أجل عيوننا وسلامنا؟ بالطبع لا.. لا.

          لقد غاب عن المبشرين في وسائل الإعلام العربية ومنها الفلسطينية أن الاستعمار شيء، قديماً وحديثاً ومستقبلاً والاحتلال شيء آخر أمس واليوم وغداً وحتى يوم الدين فالاحتلال أعلى درجة من الاستعمار وعندما اشتد الاحتلال الفرنسي عنفاً و أذى وطمعاً وفكر في أن يجعل الجزائر جزءاً من فرنسا عرف بأنه الاحتلال الاستيطاني، أي أن هذا الاستعمار ازدادت أطماعه فانتقل إلى درجة أكثر سوءاً هي الاحتلال وازداد الاحتلال طمعاً وأذى فانتقل إلى درجة أكثر سوءاً هي الاستيطان فالاستيطان أكثر سوءاً بكثير من الاستعمار وهو ما ينطبق على الاحتلال الإسرائيلي الذي جاء ليقيم دولة على أنقاض الشعب الفلسطيني، فهو يقتل ويطرد ويغتصب الأرض ويستوطنها فيجعلها وطناً له وليس يستعمرها ليقيم بناء أفضل ثم يرحل…

          وعلى ذلك فان الإغفاءة الإعلامية عن هذا التفسير وهذا الوضوح خطأ (غير مقصود) جاء في سياق حسن الظن بالطرف الإسرائيلي الذي لا يحسن الفعل و لا الظن مطلقا، وقد بات لازماً علينا ضرورة المراجعة العاجلة وأن يستيقظ المخلصون لمفاهيم السلام، وأن يضعوا المفردات في سياقها فلا يكفي أبدا أن نلبس ثوبا مفتوح الجوانب و البرد ما يزال شديداً وما تزال الحشمة هي الثوب الواقي، فليس الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين استعماراً و ليس المستوطنون مستعمرين، ولا المستوطنات مستعمرات مع ضرورة التوقف كثيراً عند أن المستوطنين هم الطرف الأكثر مبالغة في العدوان والاعتداء وهم اليوم الذين يتسابق الزعماء اليهود لاستقطابهم والتمتع برضاهم وهم الذين يتبارى رؤساء الوزارات في تلبية مطالبهم مهما اشتدوا تطرفاً وانحرافاً عن السلام، ولئن كان الإعلام العربي يعتقد أن الجيش الاحتلال الإسرائيلي هو جيش من المستعمرين فهو أيضا قد جانبه الصواب فهذا الجيش الذي يخطئ الإعلام العربي في تسميته (جيش الدفاع) ليس إلا إطاراً أوسع للمستوطنين والستار الذي يغطيهم والدرع الذي يحميهم، فعلى أي حال فإن القول بالاستعمار الإسرائيلي خطأ سياسي و إعلامي ووطني وقومي وعلمي و أخلاقي فالمستوطنات هي المصطلح الذي لا يقّره العالم الحر والصديق وهو المصطلح الذي يستقطب الأنصار و المؤيدين، وهو كذلك المصطلح الذي يفضح الممارسات العدوانية الإسرائيلية التوسعية ويكشف باستمرار حقيقة الصراع مع اليهود، فهو صراع وجود يمثله الاستيطان وليس صراع حدود يمثله الاستعمار، فالقول في وسائل الإعلام العربية بالاستعمار و المستعمرات والمستعمرين يثير الألم والأسى ويخدم دون قصد التسريب الإعلامي الإسرائيلي للمفاهيم والمصطلحات، وقد أخطأ الإعلام الفلسطيني حين وقع في هذا الخلط وإن كان استدرك إلا من قليل، وما يزال، الخطأ، في بعض المؤسسات الإعلامية العربية ربما بحسن الظن الذي نأمل أن نستدرك صوابه وبخاصة في مثل هذه الحال التي يتردى فيها مفهوم السلام، فالمستوطنة أرض مغتصبة، وأكثر سوءاً من الأرض المغتصبة عام 1948 ومن المألوف في الخطاب الإعلامي استخدام المفردات الشائعة وإن مالت قليلاً خير من استخدام الحواشي من المفردات وان كانت الصواب، فالإعلام وان خاطب العقل فهو الأقرب إلى الوجدان والعاطفة من أجل تعميق التأثير و الوصول إلى الأهداف وكسب الأنصار والمؤيدين.

ثانيا: إسرائيل مصطلح مقصود: الذين واكبوا تاريخ الصراع بين العرب واليهود وعايشوا قيام الكيان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية يدركون بوضوح كيف تسلل مصطلح(إسرائيل) إلي  الإعلام العربي والدولي حتى أصبح يحمل دلالات ومعاني مقصودة غير الشكل الذي تردده وسائل الإعلام بوجه عام، فعندما قامت الدولة الإسرائيلية كانت الإذاعة الناطقة باسمها دار الإذاعة الإسرائيلية من أورشليم القدس، وكان الشعار المرفوع هو (دولة إسرائيل) في مقابل صيحات الإعلام العربي، والتي تسمي هذه الدولة (الكيان الإسرائيلي) أو الصهيوني أو المصطنع أو غير ذلك من المسميات المناوئة للوجود الإسرائيلي.

          وبعد اتفاق السلام في أوسلو1993 تبدل المصطلح الإسرائيلي إلى (إسرائيل) مجردة من الدولة ويضيف المتطرفون منهم (أرض إسرائيل) أي أنهم يعتقدون هنا أن الكيان الإسرائيلي المقام على أرض فلسطين وفق قرار التقسيم وصك الانتداب واللجان الدولية المختلفة الداعية إلى إقامة دولتين عربية ويهودية على أرض فلسطين وليس على أرض إسرائيل، ولذلك كانت الإذاعة الإسرائيلية من أورشليم القدس، بينما هي اليوم وفق التسلل والتسريب الإعلامي (صوت إسرائيل) من أورشليم القدس وفي هذا فرق كبير فإسرائيل هنا تعنى الأرض بينما هي في الأولى تعني الدولة الإسرائيلية المقامة على أرض ما.. أي فلسطين.

          ومن الملاحظ أن الإعلام العربي بعامة وقع في هذا الخطأ وما يزال دون تدقيق أو فحص في الدلالات والأبعاد ويكرر في نشرات الأخبار والتعليقات والمقالات وتحرير الأخبار في الصحف العربية وجميعهم يكررون (لفظ إسرائيل) وفي رأينا أن الأولى والأفضل الاتفاق على مصطلح موحد لا يذكر  (إسرائيل) مجردة و إنما مقرونة بالدولة الإسرائيلية أو اليهودية أو العبرية أو غير ذلك لأنه يبقى في إطار التفسير القانوني لدولتين على أرض فلسطين.

 السكاكيني ورفض المصطلح

          من المعروف عن الرائد و المفكر العربي الفلسطيني  خليل السكاكيني وعيه الوطني المبكر بأبعاد الصراع ومصطلحاته فقد كان السكاكيني واحدا من المؤثرين في إنشاء الإذاعة الفلسطينية (هنا القدس) عام 1936 وكانت بريطانيا ترغب في أن يكون مدير هذه الإذاعة لكنه بنبله الوطني أحال ذلك إلى إبراهيم طوقان باعتباره مسلماً والأغلبية في فلسطين من المسلمين ولكنه ظل واحداً من المؤثرين في حركة هذه الإذاعة وتطورها، وكان قد تم الاتفاق على تسمية هذه الإذاعة مع المندوب السامي البريطاني باسم: هنا القدس دار الإذاعة الفلسطينية وباللغات الثلاث، العربية والإنجليزية والعبرية وبدأ البث في 30/3/1936، وفق هذا الاتفاق وخلال المتابعة اليومية استمع السكاكيني إلى الفترة العبرية فتبين أنهم غيروا الاسم ليكون (هنا القدس) من أرض إسرائيل وهو ما جعل السكاكيني يهدد بالاستقالة من الإذاعة إذا لم تلتزم الفترة العبرية بالاتفاق وبالفعل تم الاتصال مع المندوب السامي و أمر بالالتزام حسب الاتفاق.

 لماذا نسوق هذا المثال! من تفاصيل المثال يتبين أن اليهود يخططون لما يقولون فالأرض هي أرض  إسرائيل والمؤسسات هي إسرائيلية والوقت يقتنصونه اقتناصاً و الغفلة عند العرب دائمة وهو ما نلاحظه في تسلل المصطلحات والمفردات والمفاهيم التي تنقلها دون تدقيق ومن هذه المصطلحات إسرائيل والصواب في رأينا إن جاز لنا ذلك هو الحكومة الإسرائيلية، الدولة الإسرائيلية، الإذاعة الإسرائيلية وحبذا لو تم الاتفاق على مصطلح موحد تلتزم به وسائل الإعلام العربية كما كان معمولا به في الستينات والسبعينات دون الاستغراق في الإنكار بعدما كان هذا المشوار على طريق السلام ولكن دون وقوع في دهاليز المصطلحات الإسرائيلية وهي كثيرة وننقلها دون تدقيق وإدراك لأبعاد هذه المصطلحات.

ثالثا: القدس الشرقية والغربية: من المصطلحات التي يرددها الإعلام العربي دون قصد، القول بأن القدس شرقية وغربية، أو القدس العربية والقدس اليهودية في الوقت الذي يصر الإعلام الإسرائيلي على القول بالقدس الموحدة عاصمة الدولة الإسرائيلية، ونسأل السياسي والإعلامي العربي حول ذلك: هل يجوز أن نقول.. دمشق الشرقية ودمشق الغربية، القاهرة الشرقية والقاهرة الغربية، تونس الشرقية وتونس الغربية، بغداد الشرقية وبغداد الغربية، أو أن ننسب هذه العواصم إلى طوائف وملل وأجناس، كما ينسب الإعلام العربي والفلسطيني بالطبع! وهل يجوز أن نقسم العاصمة الأزلية وفق الصراع إلى قسمين؟ بالطبع لا.. لا ..

 والصواب هو القول بشرق القدس وغرب القدس وشمال القدس وجنوب القدس ووسط القدس، ونقول بأن القدس (فقط) القدس عاصمة دولة فلسطين، وهم يقولون لا بأس في ذلك القدس (عاصمة الدولة الإسرائيلية)، وفق ما يرون القول وفي رأينا بأن القائلين بتشطير القدس هم على خطأ وخطأ فاحش وهم جانبهم الحق والمنطق والصواب، ولهم أن يغوصوا في نتوءات الصراع دون أن يمسوا جوهر الصراع ومن المهم أن يعود الإعلاميون والسياسيون العرب إلى التاريخ وأن يستمدوا منه الدلالات والمفاهيم فلا يعنى أن نلتزم بمشاريع السلام أن نهمل ثوابت الحق والمنطق والنضال، ولذلك لاحظنا في كامب د يفيد الثانية مطالبة أمريكية ودولية بتقسيم القدس إلى أربع مناطق بما في ذلك تحت الأرض وفوق الأرض وفي الهواء و الماء، فلا يجوز المساس بوحدة القدس وإن كنا نقول بالتعامل مع المتاح واسمه القدس، فالقدس هي فلسطين مبارك ما حولها وحتى الشام وفق التفسيرات المتداولة ومنطق التاريخ و الواقع.

رابعا: عرب إسرائيل: من المحزن أن هذا المصطلح درج في الإعلام العربي باعتبار ذلك نصراً وتعصباً وتقدماً على طريق تعزيز الانتماء وإن كانت صيحات اليقظة بدأت تتدحرج في أعقاب الاعتداء الفاحش على أهلنا الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1948 حين اندفعوا مؤيدين للانتفاضة المباركة فسقط منهم في شهر أكتوبر عام 2000 ثلاثة عشر شهيداً، وعلى أثرها بدأت طلائع الوعي بأن الانتماء هو: إلى فلسطين وأن جواز السفر المفروض هو إسرائيلي فالمواطنة شيء والانتماء شيء آخر، وبدأت الأصوات عالية.. نحن فلسطينيون أصلاً وفصلاً وانتماءً. وبالرغم من ذلك فإن الإعلاميين والمتسابقين على الاتصال بالشخصيات الفلسطينية يصرون على وصفهم  (بعرب إسرائيل) أي أنهم العرب الذين يقيمون (على أرض إسرائيل) كما يريد الإعلام الإسرائيلي ويهدف إليه المصطلح و أهدافه غير النبيلة. ومن هذه الأهداف ما يتردد في وسائط الإعلام العربية والدولية "أعضاء الكنيست العرب" وكأن هؤلاء أي أصحاب الأرض هم جالية من الجاليات الوافدة وكأن أصحاب الأرض هم اليهود، ورأينا أن الصواب هو القول بأعضاء الكنيست من الفلسطينيين، مسلمين أو مسيحيين بالرغم من أن هناك بعض الأعضاء المنتمين للأحزاب اليهودية بأيديولوجياتها المختلفة ولا ينتمون إلى الفلسطينيين، و ربما من أشد الناس عداوة للفلسطينيين، وفي ذلك كشف بيّن لهم ومحاصرة لهم في الإطار اليهودي والإسرائيلي وفي اعتقادنا أنهم لا يرغبون في ذلك عند التحديد و الالتزام.

خامساً: مناطق السلطة الفلسطينية ومناطق الحكم الذاتي: يتردد في وسائط الإعلام العربية وعلى ألسنة المتحدثين قيادات ومختصين وعامة، مصطلح مناطق (السلطة الوطنية الفلسطينية) وأحياناً الأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وأحياناً مناطق الحكم الذاتي، وأخرى، محافظات الشمال ومحافظات الجنوب وجميعها مفردات تقع تحت دائرة الخطأ غير المقصود والخطأ الناجم عن عجز المسئولين عن تحديد المفاهيم والمصطلحات وعن عدم وضوح البناء السياسي والإعلامي الفلسطيني والعربي، وأذكر على سبيل المثال أن الرائد الإذاعي الفلسطيني العربي راجي صهيون كان مديراً للإذاعة الفلسطينية "صوت فلسطين صوت منظمة التحرير الفلسطينية" وكان عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة أذكر أنه كان يجمعنا بين حين وآخر و يناقشنا في تحديد المفاهيم والمصطلحات وكيفية التعامل معها، وكان يفعل ذلك المرحوم أحمد الشقيري أول رئيس للمنظمة و كان يتابع المذيعين ويصوّب أخطاءهم و يمدح لهم نجاحهم وصوابهم ومن هذه الأسئلة الاتفاق على كيفية نطق مفردة فلسطين بحيث يكون النطق لساناً موحداً للجميع ولا يجوز أن يكون لسان الإذاعة متبايناً، نسوق هذا لبيان الخطأ في القول بمناطق السلطة لأن ذلك تسريب إسرائيلي إعلامي توسعي فهذه المناطق منحة من الدولة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية حسب زعمهم وهي جزء من أرض إسرائيل و لذلك يخطئ الإعلام العربي بالقول أحياناً مناطق الحكم الذاتي، وأحياناً القول محافظات الشمال والمقصود بها هنا الضفة الغربية و هي بالقطع ليست شمال فلسطين، حتى لا يتسلل إلى المنطقة والتاريخ و الأجيال أن فلسطين شمالاً هي الضفة الغربية وجنوباً هي غزة وذلك مغالطة ومخالفة وطنية تاريخية، ففلسطين التاريخية شيء وفلسطين المتاحة شيء آخر ولذلك فإن القول بالأرض الفلسطينية هو الأصوب ولا بأس بوصفها في إطار السلطة الوطنية  وليس الخاضعة للسلطة الفلسطينية، و هناك فرق شاسع بين الخضوع و السيادة التي هي الإطار.

 

الدلالات و الاستخلاصات

 هذه بعض القراءة لبعض المفاهيم و المصطلحات ذات التأثير في مضمون الصراع و التي تشغل مساحة واسعة في التحرير الإعلامي المطبوع والمذاع ويكاد ينتقل إلى اللسان الجماهيري بوجه عام باعتباره حقائق ووقائع وهو الصواب في حركة الصراع اليومي، وهي في الحقيقة تسريب إعلامي إسرائيلي، وسياسي مقصود ومدروس بغرض تعميمه وترسيخه تماماً كما يجري على طريق الحفريات وإلقاء عملة الشاقل بالعبرية في هذه الحفريات، وكما يجري على طريق اقتلاع الأشجار و النباتات و بخاصة الذي له امتداد و جذور تاريخية مثل محطة  الإرسال الإذاعي في رام الله منذ عام 1936، ومثل أشجار النخيل والبرتقال والزيتون وهدم البيوت وتجريف الأرض، وهذه المصطلحات التي تم معالجتها لا تعكس كل المفاهيم و المصطلحات و إنما هي اختيار للنماذج بغرض التأمل والتوقف للدراسة والتدقيق وتصويب الرسالة الإعلامية وربطها بالبعد السياسي والتاريخي وإن كان هناك الكثير من هذه المصطلحات وغيرها يحتاج إلى القراءة والتحليل والتصويب ومن ذلك على سبيل المثال القول بحق العودة و حل قضية اللاجئين حلاً عادلأ للاجئين وهو ما يخالف الواقع والتاريخ والمنطق لأن الحل العادل لقضية اللاجئين هو العودة لأراضيهم أي أن يعود اللاجئون إلى أرضهم التاريخية وهو ما لا يقصده المفسرون والسياسيون بالطبع وإنما هم يقصدون حلاً يتم التوافق عليه دون الإخلال بالحق التاريخي في العودة وبالتالي فإن القول بالحل العادل قول خاطئ وإنما يمكن تصويبه إلى الحل الممكن على طريق الحل العادل فهو الحل المتاح الممكن من الآخرين وليس من أهل فلسطين وهذا يتطلب المراجعة الدقيقة للمفردات وقواعد اللغة ودلالات المعاني وإيحاءاتها. وهذا في رأينا يتطلب أن يتداعى القائمون على الإعلام العربي والمختصون في المفردات والمصطلحات ومعهم الباحثون والأكاديميون والقانونيون لحصر هذه المصطلحات والمفاهيم والمفردات المتداولة ذات الدلالات والتأثير والتوقف عندها ودراستها والاتفاق على ميثاق شرف يضبط العمل بها و يؤسس لمنظومة إعلامية سياسية تكون ميزان العاملين في الحقل السياسي والإعلامي ويواجه المنظومة الإعلامية السياسية الإسرائيلية والصهيونية والدولية المعادية و المحايدة كما يتطلب التنادي إلى ورشات عمل أو حلقات نقاشية أو مؤتمرات علمية يكون أساسها مصطلحات ومفاهيم التداول السياسي والإعلام في ضوء مستجدات الصراع و السياسات الدولية وحالة الصراع المتجددة في المنطقة العربية وبخاصة الفلسطينية الإسرائيلية التي تحتدم هذه الأيام بعدما مالت من قبل نحو آمال السلام والاستقرار.

          وحتى يتم تحقيق ذلك فإن الأمر ملح في إطار اتحاد الصحفيين والكتاب العرب واللجنة الدائمة للإعلام العربي والمنظمات والهيئات الصحفية والإذاعية العربية كما أن ذلك دعوة للمثقفين العرب لتفعيل دورهم في ضبط عجلة السياسيين العرب وكبح جماح المستعجلين والمندفعين نحو فسيفساء السلام ولعلنا نجد في مقولة الرئيس الراحل الخالد جمال عبد الناصر ما يدفعنا إلى الجد والعمل حيث يقول: "الخائفون لا يصنعون الحرية والمترددون لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء" رحم الله جمال عبد الناصر، وفي ذلك دعوة متجددة للمثقفين العرب، والقائمين على هيئات الثقافة والإعلام لتجسيد ذلك حقائق على الأرض وعملاً مستعجلاً يضبط المفاهيم والمصطلحات ويحدد مسارات ومرتكزات التداول في ذلك من أجل توحد الوعي بالسلام وثقافة السلام وبما لا يخلّ بالتراث والثوابت الوطنية والقومية العامة.

* عميد كلية العلوم النوعية السابق بجامعة الأقصى

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية