من كل بستان زهرة
مواضيع مختلفة وعامه وثقافية واخلاقية

الرواية الفلسطينية

الآثار الاجتماعية للنكبة

في الرواية الفلسطينية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ناهض زقوت*

الحديث عن النكبة ذو شجون مؤلمة وقاسية، إذ لا يوجد شعب طرد من وطنه بالقوة الغاشمة والإبادة الفردية والجماعية وهام على وجهه في المنافي بلا مأوى أو مصدر رزق، كالشعب الفلسطيني. في الوقت الذي يُجلب فيه إنسان آخر.. ليحل محل صاحب الأرض تحت دعاوى عنصرية وعرقية ودينية. ولكن فقدان الأرض لم يؤدِّ إلى ما كان يطمح له العدو الصهيوني من انهيار للهوية الجمعية الفلسطينية، بل على العكس، أكدها وعززها، وأصبح عنصر الأرض المفقود رمزاً حضارياً يعزز مركز الهوية المهدد، ودافعاً نحو إيجاد أدوات ووسائل لتحرير هذا الوطن.

وتأثرت الكتابة الثقافية ـ الأدبية بهذا الوضع المأساوي الذي أبدل حياة شعب من الأمن إلى التشرد، وعبر المبدعون الفلسطينيون عن هذا الواقع الاجتماعي ـ السياسي بكل تفاصيله المتشابكة، عملاً بوصية الروائي "دوستويفسكي" حين قال: "لا تبتدعوا مواضيعَ ومغامرات بل خذوا ما تقدمه لكم الحياة، فالحياة أغنى من كل تخيل وابتداع، ولن يبتدع أي خيال مهما كان ما يمكن أن تعطيه الحياة".

ــــــــ

* كاتب فلسطيني

 

وبدأ المبدع الفلسطيني على هدي تلك الوصية، يربط بين المسألة الاجتماعية والمسألة السياسية في عمله الإبداعي، لذا غيبت الروايات التي تناولت النكبة موضوعة الرمز، فالمعطى الواقعي الفلسطيني لا يتقبل الرمزية في الإبداع، حيث كان المبدع مشحوناً بالصور والدلالات والتفاصيل والمآسي والمذابح، فكان لا بد من تقديم تلك الشحونات فنياً وإبداعياً، لهذا غاب الرمز ليحل محله تعبير مباشر وقوي عن جوهرية النكبة وتداعياتها، والمبدع الأصيل هو الذي يخلق أدواتٍ ووسائل تعبير يمكن بواسطتها أن يظهر صوت الفرد متداخلاً في صوت الجماعة، أي معبراً عن رؤية العالم الجمعي الذي ينتمي إليه.

وكتب الروائي الفلسطيني من قلب المعاناة، والاكتواء بنارها، وبث في إبداعه الروائي كل مشاعر وأحاسيسه المختلطة والجياشة، شارحاً قصة الخروج ونكبة الضياع والمنفى، وصور الإرهاب، وشقاء اللاجئين وبؤسهم وأحزانهم، ومخيمات اللجوء وأحوالها. لهذا نحاول في هذه الدراسة إبراز الممارسات العنصرية الإرهابية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني عام 1948.

إن الروائي الفلسطيني لم يترك شاردة في فعل النكبة إلا ذكرها وقدمه وصفاً في لوحة لغوية ـ تشكيلية. ونبدأ بالسؤال الجوهري الذي جاء على لسان "أحمد" في رواية (الزورق) حول مدى الظلم والاضطهاد الذي حل بالشعب الفلسطيني، يقول: "وفي الجغرافيا أيضاً، شيء لم يقع ولا يبدو أنه واقع من بعد، متى وأين حدث أن تم جلاء شعب من أرضه بقوة السلاح من أجل أن يقيم في تلك الأرض شعب آخر جاؤوا به من مشرق الأرض ومغربها.(1) إن جوهرية النكبة تكمن في عدم حدوثها في التاريخ ـ كما ذكرنا ـ حيث لم يهجر شعب من أرضه ويجلب شعب آخر ليستوطن مكانه، كما حدث للشعب الفلسطيني، وهذه المسألة المأساة ركزت عليها الرواية كثيراً. ويصف أميل حبيبي ما حدث للفلسطيني قائلاً: "بعد النحس الأول في سنة 1948، تبعثر أولاد عائلتنا أيدي عرب، واستوطنوا جميع بلاد العرب التي لم يجر احتلالها، فلي ذوو قربى يعملون في بلاط آل رابع في ديوان الترجمة من الفارسية وإليها، وواحد تخصص بإشعال السجائر لعائل آخر، وكان منا نقيب في سوريا، ومهيب في العراق، وعماد في لبنان".(2)

لقد توزع الفلسطينيون وتشتتوا في كافة الأصقاع، ولسان حالهم يقول بكل أسى وحزن: "أنا في الأردن، في لبنان، في سوريا، في العراق، في السعودية، في الصحراء، وعلى ضفاف الأنهار، أنا تحت كل كوكب... أنا موزع، مشتت، تنتصب خيامي ومعسكرات اعتقالي في كل مكان، في كل مدينة لي (غيتو)، وفي كل دولة لي وجود.. أوصالي موزعة مثل أوزوريس تماماً".(3) وقد شبه "حسن يوسف" رحلة جموع اللاجئين وتوزعهم بالقطار، يقول: "بعد الرعب كان قطار، وكان لاجئون، أما اللاجئون فلا شك في أنهم أبناء فلسطين، وأما القطار فلا أعرف هويته، ولا أعرف في أي أرض كان يتدحرج".(4) ومع قطار الفاجعة بدأ الحد الفاصل بين الزمنين الفلسطينيين، زمن الوطن وزمن الشتات.

وأخذ عمق المأساة يتضح من خلال التفريق الذي أحدثته النكبة بين الأهل: الأخ وأخيه، والزوج وزوجته، والإبن وعائلته. ويوضح أميل حبيبي في (السداسية) كيف أن أولاداً لا يعرفون لـ "مسعود" أعماماً وأخوالاً، ويتصورون أنه مقطوع من شجرة، "هي عائلة طالعة من الحيط لا خال ولا عم، أو كما نقول ـ نحن أولاد الحمايل ـ لا هم ولا غم، حيث أن عائلة مسعود قد هاجرت وعاشت بين عائلات من حمولة واحدة، فكانت بمثابة العائلة الغريبة بين العائلات، لذا جاء الاستغراب والدهشة عندما وقفت سيارة فخمة بجناحين مثل الطيارة، غريبة، ذات رقم أزرق وزامور نغام، بعثرت الأولاد عن طريقها، أمام منزل مسعود حتى أن مسعود نفسه شعر بالدهشة لأنه لم يكن يعرف سر وقوف هذه السيارة أمام منزله، ولكن الدهشة والاستغراب زالا عندما ذهب مسعود إلى بيته وعرف أن له أعماماً يسكنون الضفة الغربية، من هنا تبين لمسعود أنه ليس مقطوع الأصل والفصل، وليس غريباً في هذه الدنيا".(5)

ولم يكن الحصار الذي فرق بين الأهل هو الحصار الوحيد الذي واجهه الإنسان الفلسطيني إذ أن حصاره كان ذا شقين حصار داخلي، وحصار خارجي. فحصار الداخل قامت به سلطات الاحتلال، حين حاولت بكل الطرق والأساليب أن تبقي الإنسان الفلسطيني داخل أسوار وأسلاك شائكة بعيداً عن محيطه العربي وثقافته وإعلامه. أما حصار الخارج، فيتمثل في كبت الفلسطيني وتقييد حركته في الأقطار العربية التي هاجر إليها. ويؤكد الناقد المصري شمس الدين موسى هذا الحصار المشترك قائلاً: "لقد حوصر الفلسطيني في كلتا الحالتين، ولكن حصار الأنظمة (العربية) ولا يزال من صنعنا نحن، وغير مبرر، حيث منعوا من التطلع إلى أراضيهم الحرام من خلف الأسلاك، وباتوا وعيونهم تتطلع طوال تلك السنوات نحو أرضهم وديارهم وهويتهم، وياله من حصار، فالأمران كلاهما مر، أما الداخل أدى إلى فقد المواطنة وتدنيها إلى الدرجة الثالثة أو الرابعة، مع توالي الهجرة اليهودية من المغرب واليمن وأفريقيا الوسطى و (دول أوروبا والاتحاد السوفيتي)، وحصار الخارج الذي يفرض الكبت والسكون عن الفعل، بينما رجال الأنظمة يمنعونهم من مجرد الاقتراب من حافة حدود بلادهم، أو رفع السلاح من أجل المقاومة".(6)

ويصور رشاد أبو شاور في روايته (العشاق)، هذا الإنسان الفلسطيني الذي صقلته نيران المحنة/ النكبة عام 1948، وهو يتحمل عبء الملاحقة الدائمة من أنظمة تعلن في كل يوم عن قوميتها ووطنيتها وتقدميتها، بينما هي لا تتيح الفرصة لأي وطني بممارسة النضال، فيقول على لسان أحد أبطاله أنهم يعرفون ـ يقصد الأنظمة العربية ـ كل تحركات المواطنين، لأنهم يلاحقون المواطن ويكتمون أنفاسه، كما أنهم لا يعرفون عن الوطن شيئاً، حيث أن تضاريس الوطن لا تعني لهم الكثير، ويكون ذلك المواطن هو الأكثر تأهيلاً لاستشعار ما يدور بأبعاده المختلفة، بل أنه يكون أول المتنبئين بنتائجه المحتمة، مهما كانت تلك النتائج صعبة، فعندما أفرج عن المعتقلين السياسيين الفلسطينيين من سجون الأنظمة (العربية) كان ذلك قبل بدء الحرب ـ يقصد حرب 1967 ـ بساعات قليلة، وذلك حتى لا يقال أن الحرب قامت وفي السجون مناضلين، وكأن هناك اتفاق خفي بين الأنظمة العربية وإسرائيل في قمع الفلسطيني: "ففي عام 1955 سقط عشرات الرجال بين قتيل وجريح في التظاهرات المضادة لحلف بغداد، في تلك التظاهرات حمل الناس الشهداء والجرحى، واندفعوا يهتفون والدم الساخن ينزف أمامه، ويحنى ملابسهم وأجسادهم، لكن الجنود البدو (يقصد الجيش الأردني) أطلوا برؤوسهم الصغيرة من وراء الصخور البركانية السوداء، وقد طلوا وجوههم بالهباب الأسود، وبصبغة الأحذية، وسددوا فوهات بنادقهم، ثم حين تقدم الناس أطلقوا عشرات العيارات النارية فسقط المزيد من الشهداء والجرحى، لاذ الناس بالفرار، اختبأوا بين أشجار البساتين، وفي المغاور والكهوف، ثم عادوا وحملوا قتلاهم، واندفعوا كالطوفان مكتسحين أمامهم الجنود البدو".(7) وإذا كان هذا موقف الأنظمة العربية تجاه الفلسطينيين بعد النكبة، فما موقف المنظمات الصهيونية المسلحة تجاههم خلال النكبة وبعدها، إذ لم تتورع عن استخدام كافة أنواع الوسائل الإجرامية لدفع الفلسطيني إلى الهجرة، وتصف رواية (الفلسطيني) عمليات الإجرام والقصف العشوائي وهلع الناس لحظة الموقف، تقول: "جاءت الطائرات ذات ليلة، وألقت قنابلها فوق البيوت، كانت الانفجارات تسرق الهواء من رئتي، وكانت يدي اليسرى تمسك بطرف ثوب أمي، بينما يدي اليمنى تمسك بشيء وضعته على رأسي، ربما كان لحافي الصغير أو وسادتي الصغيرة وكان حشد من الأطفال والنساء يهرع إلى خارج القرية، وكان رعب. قبر أفعى ونواح كلب وقاذفات قنابل. هذا هو وطني".(8) وهذا الرعب والخوف جعل الكثير من الناس ينسون أبناءهم، ويحملون بدلاً منهم الوسائد.. وقد صور هذا الجانب بكل معانيه الإنسانية وتداعياته غسان كنفاني في روايته (عائد إلى حيفا)، حيث لم تحمل "صفية" الوسادة، بل أرغمت مع زوجها "سعيد" على ترك بيتها مضطرة، وبالتالي تركت ابنها الرضيع في السرير: "كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة، وليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها، مرتدا من شارع إلى شارع، أما الآن بات واضحاً أنهم يدفعونه نحو الميناء، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماماً، وكان إذ يحاول الاندفاع في أحدها ليتدبر أمر عودته إلى بيته، يزجرونه بعنف: أحياناً بفوهات البنادق وأحياناً بحرابها.(9) ويستمر الكاتب بوصف دقيق لما حصل.. وكيف ترك الطفل الرضيع "خلدون" في السرير، فسعيد لم يكن في البيت، فهو كان في الحليصة مع المقاتلين، وزوجته هي التي في البيت، ولكنها خرجت منه إلى الدرج لا تعرف ما تريده أو تفعله من شدة القصف وصوت إطلاق النار، وفجأة رأت نفسها في موج من الناس، يدفعونها وهم يندفعون من شتى أرجاء المدينة في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده، كأنها محمولة على نهر متدفق مثل عود القش، ومضى وقت قبل أن تتذكر أن ابنها ما زال في سريره بالبيت، وأجبرت على ركوب البحر إلى المنفى.(10)

وقد دخل التوثيق والتسجيل الرواية الفلسطينية سواء بوعي من الكاتب أو بدون وعي، دليلاً على توتر الحياة وتغيرها المستمر أمام ناظريه، فسعى بكل وسيلة ليوثق للحدث ويسجل أيامه ليكون شاهداً مهما تغيرت الحياة، وكان بذلك يمثل ضمير الشعب الجمعي الذي يصبر على تثبيت الهوية، والذات، والمكان، والتاريخ، والحق. يقول شمس الدين موسى: "إن الضمير الجمعي للشعب الفلسطيني أصبح في غاية التيقظ والتعبير عنه جرى بشكل متميز على مساحته الأدبية، وما تلك التسجيلية إلا الإدانة لما يحيط بنا من ضعف وممالأة وتبعية، وفي نفس الوقت فهي تمثل في أحد أبعادها رغبة أكيدة في تثبيت الشخصية والذات، وإصرار على إبراز الهوية، فبعد أن ضاعت أو كادت أن تضيع الهوية المكانية، لذا كان التركيز غير الواعي، والواعي في نفس الوقت على الهوية التاريخية أو الزمنية التي تشبث بها الأدباء الفلسطينيون".(11)

ويستعرض النشاشيبي في روايته (حفنة رمال) أحداث عام 1948 بصورة تاريخية لتثبيت الذاكرة العربية، من خلال عرضه لسقوط المدن الفلسطينية، يقول: "وهذه هي المدن العربية تسقط في يد العدو واحدة بعد الأخرى، في يوم 14 مايو سقطت مدينة صفد، وفي يوم 12 مايو سقطت مدينة يافا، وبعدها بثلاثة أيام سقطت عكا، والأحداث تتلاحق.. والدماء تنزف.. والإرهاب يزيد.. (كما أرخ لمذبحة دير ياسين بدون وصفه للأحداث) لقد نشطت أعمال العصابات اليهودية الثلاث ـ الهاجاناة، والأرجون، وشتيرن ـ بصورة مفزعة، واقترفت مذبحة دير ياسين بجوار القدس، وقتل في تلك المذبحة وحدها وفي يوم واحد هو يوم العاشر من ابريل (12) عام 1948 مئات من الأطفال والشيوخ والنساء، وملأت بجثثهم آبار القرية".(13)

وحين نقرأ التواريخ التي قدمها النشاشيبي ـ بصرف النظر عن دقتها ـ في سياق الرؤية التاريخية نلاحظ أن سقوط المدن تم زمن الانتداب البريطاني الذي رحل في 15 أيار، مما يعني تواطؤ بريطانيا مع اليهود ضد العرب. وأشارت رواية (عائد إلى حيفا) إلى تلك الحقيقة كما جاءت على لسان الراوي الذي اعتقد أن الإنجليز كانوا وما زالوا يسيطرون على المدينة، وأن الأحداث في شكلها النهائي كان مقدراً لها أن تقع بعد ثلاثة أسابيع تقريباً، حين يشرع البريطانيون في الانسحاب حسب الموعد الذي حدوده،(14) إلا أنه اكتشف مدى التعاون البريطاني ـ الصهيوني في ترحيل العرب، فبعد اشتداد القصف استطاع أن يميز جنوداً بريطانيين يسدون بعض المنافذ ويفتحون منافذ أخرى.(15) وكانت كل المنافذ المفتوحة تؤدي إلى الميناء/ البحر.

أما وصف أحداث وتداعيات مذبحة دير ياسين، فقد جاء ذكرها في رواية (الفلسطيني) حين يقول "عيسى" في مذكراته على لسان الراوي: "في خريف عام 1956 (هذا التاريخ يعطي دلالة على مذبحة كفر قاسم) دخلت مدرسة فلسطينية كان اسمها "الاليانس" ثم غيروا الاسم إلى دير ياسين، نسبة إلى القرية الفلسطينية الشهيرة التي ارتكبت فيها المذبحة البشعة. والتي قال الكاتب اليهودي "ويليام زيكرمان" بخصوصها (إن سرد الأحداث على لسان يهودي تمثل شهادة من أهلها): "إن أعضاء الأرغون (منظمة إرهابية صهيونية) مستعملين السلاح الأبيض والقنابل اليدوية قتلوا من دون سبب 254 فلسطينياً من سكان قرية دير ياسين، ومعظم الضحايا كانوا من النساء والأطفال، أما الباقون فقد تم نقلهم إلى القدس حيث عرضوا في الشوارع ليبصق عليهم اليهود.. وفي رواية ثانية أن رجال الأرغون كانوا يتسلون ببقر بطون الحوامل من النساء ليتراهنوا على جنس الجنين، وأن أحد أولئك الرجال ربح مبالغ كبيرة من رفاقه، لأنه دائماً كان يقول "ذكر" وحين يبقرون البطن ويستخرجون الجنين من الرحم يتبين أنه ذكر بالفعل".(16)

هل هناك بشاعة أفظع من هذا الفعل النازي العنصري؟ وهذه المذابح والجرائم الوحشية هي التي دفعت الفلسطيني إلى الهروب ناجياً بروحه أو خوفاً على العرض وحفاظاً على الشرف، وقد روج الإعلام الصهيوني أن من لا يخرج سيجد مصيره مثل دير ياسين، وأخذت مكبرات الصوت تجوب الشوارع تحرض الناس على الخروج طلباً للسلامة وإلا فالمصير معروف، ويصف حسن يوسف الموقف في روايته قائلاً: "لقد مر الأرغون من هنا إذن كانوا قد زرعوا جثة طفل على شكل فزاعة يخيفون بها ليس الطير ولا الحيوان بل من بقي حياًّ من سكان الأرض.. وزاد منظر الفزاعة في قلوب المرعوبين الهاربين رعباً فارتفعت وتيرة الركض في طلب السلامة".(17) وحتى تبقى الذاكرة الفلسطينية مفتوحة نذكر أن مناحيم بيغن قال في مذكراته تعليقاً على مذبحة دير ياسين: "لولاها لما قامت دولة إسرائيل".

لقد مثلت الهجرة قمة التراجيديا في حياة الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه مشرداً مطروداً من أرضه ووطنه، وتقدم رواية (الآخرون) ملامح تراجيديا الهجرة على لسان الراوي بكل ما فيها من قسوة وأسى، كما تؤكد أن الفلسطيني لم يخرج من أرضه طوعاً بل قسراً وتحت زخات الرصاص ودوي القنابل وقصف البيوت والمنازل، فخرج الناس حفاة عراة بحثاً عن المأوى والسلامة، يقول: "كنت في السادسة، سحبت من سريري وأنا نائم، وانتبهت مذعوراً أبكي، ألبستني أمي معطفاً فوق البيجامة.. من تلهف عمتي وأمي على السير لم ألبس حذائي، دسست قدمي في قبقاب جميل مزوق أحضرته لي جدتي، جرني أبي من يدي ومشت أمي تجر أخي الأصغر وتحمل ابنها الرضيع على صدرها، فخرجنا إلى الشارع في الليل.. صوت القنابل يدوي، تنفجر في البيت الكبير حيث يقطن جدي وجدتي، جرينا من أمام البيت بسرعة، بريق القنابل يضيء الليل مع كل انفجار.. ويزداد ضرب الرصاص، أمي تبكي ولا تريد السير، ومن خلال دموعها تقول: أمي أبي واخوتي ماذا جرى لهم؟ ويفتح الباب ويخرج جدي وجدتي حفاة عراة لا يستر الأجسام سوى قمصان النوم.. ونسير مع النساء والأطفال وسط البيارات عبر الأسلاك والأشواك والظلام، والرصاص يئز فوق الرؤوس وينهمر من كل مكان.. غرزت قدمي في الطين، صرخت، كتمت عمتي فمي وسحبتني بعنف وضاعت فردة قبقابي في العتمة وربكة الهروب.. سقط ابن سميحة في حفرة المجاري، وتسمرت أمه على حافتها تولول وتصيح، وفشل الناس في مساعدتها فالخوف من إشعال النور وتكاثف الرصاص جعل الناس يفرون، ورفضت المرأة أن تغادر المكان، ووجدوها في صباح اليوم التالي جثة هامدة مصابة بشظية من قذيفة مدفع مورتر، هشمت رأسها".(18)

إن كل الدلائل والمؤشرات تؤكد أن عرب فلسطين هُجروا من ديارهم بقوة السلاح والقتل والإرهاب، وتكشف مداولات وخطابات المؤتمر الصهيوني العشرين الذي عقد في آب 37 عن وجود مخطط للترحيل لدى القادة الصهاينة.(19) كما شكلت خطة "دالت" التي وضعت في عام 1944، ونفذت في نيسان 1948 عاملاً مركزياً في عملية الترحيل، كاستراتيجية هجومية ضد الفلسطينيين، يقول "يغئال يادين" من ضباط الأركان الإسرائيليين آنذاك: "وكانت الخطة تهدف إلى ترحيل أكبر عدد من الفلسطينيين وكانت المجازر والفظائع المتعمدة وأجواء الخوف والإرهاب المنظم، وسلب الأهالي كل ما يملكونه، واقتياد الشباب والنساء والشيوخ والأطفال إلى الحدود، وإطلاق الرصاص على مجموعات سكانية، جزءاً لا يتجزأ من مخطط الترحيل الجماعي".(20)

وتعد الهجرة والترحيل الجماعي ووصف أحوال الناس من أكثر ما تناولت الرواية الفلسطينية حين تطرقت لتصوير النكبة وأحداثها، ففي (بيت للرجم بيت للصلاة) كان الواقع أبشع مما وصف، "قصف مدفعي متواصل أيام الاثنين والثلاثاء وليلة الأربعاء، قصف مروع رهيب بكل أنواع الأسلحة، وبالقنابل مختلفة الأحجام، والأصوات تنفجر فوق حي النزهة في مدينة يافا، فتفجر مواسير المياه في الشوارع وتقطع أسلاك الكهرباء والتليفون، وتهدم وتصدع بيوتاً ومحالاً تجارية كثيرة، ويخيم الهدوء صباح الأربعاء.. ويهرع الجميع إلى كافة أنواع المركبات، يعتلونها ويسوقونها خارج المدينة على أمل العودة بعدما تهدأ الأحوال، ومن لم يجد عربة اندفع إلى شاطئ البحر ليركب مركب صيد أو سفينة صغيرة ليبتعد عن هذا الجحيم الذي حاصره.. هربوا بأولادهم وبناتهم ونسائهم خوفاً من قصف المدافع ورشق الرصاص والمذابح التي سمعوا عنها، وهتك الأعراض وقتل النساء والأطفال".(21)

لم يسجل التاريخ وصفاً لتلك الأشباح الهائمة أبلغ من هذا الوصف المأساوي: شعب يشرد ويذبح ويهيم على وجهه، لا يعرف أين المستقر وما المصير، فقد ضاعت فلسطين واحتلها الصهاينة، "وأعطوهم بدلاً منها خيشاً ومخيمات وإسطبلات".(22) وكونت الأمم المتحدة وكالة غوث اللاجئين لتقديم المساعدات الإنسانية لهم، ويوجه أحمد عمر شاهين في روايته أصابع الاتهام إلى الأمم المتحدة بصفتها ممثلة للمجتمع الدولي، في نكبة فلسطين وشعبها، قائلاً: الأمم المتحدة وافقت على تشريد الفلسطينيين، ووافقت بالمقابل على تعويضهم عن الوطن والأرض والعلم والهوية، ببعض الطحين وزيت السمك وبعض الهدايا".(23) إن الأمم المتحدة ومن قبلها عصبة الأمم، والهيئات الدولية الأخرى، ليست بريئة مما حدث للشعب الفلسطيني عام 1948، فهي التي شرّعت وقننت فرض الانتداب البريطاني، وأقرته على أفعاله ومساهمته في تثبيت أقدام الحركة الصهيونية في فلسطين، وبالتالي إقامة كيان سياسي (إسرائيل) على حساب شعب آخر عاش منذ فجر التاريخ فوق أرضه. وما ساهمت به للشعب الفلسطيني من مساعدات حياتية ليس تعبيراً عن الإحساس بالذنب أو صحوة ضمير، إنما حاولت تأهيل الفلسطيني وتطويره ليجد له فرصة عمل في البلدان العربية بعد أن تغلق إسرائيل أمامه أبواب العمل فوق أرضه، وبالتالي يستوطن الفلسطيني في الخارج ويتكيف مع وضعه الجديد.

أما أحوال الفلسطينيين بعد التشرد واللجوء، فقد جاء على لسان إحدى الشخصيات في (بيت للرجم بيت للصلاة) التي حاولت العودة إلى أرضها بعد الهجرة لتموت فيها ما دام الموت موجوداً أينما كان، فيصف أحوال اللاجئين بعد لجوئهم إلى الخيام، يقول: "كان الجامع الوحيد في خانيونس ممتلئاً بالعائلات، فذهبنا إلى مدرسة في شمال البلدة، وجدنا في كل غرفة خمسة عائلات أو أكثر يفصل بين كل عائلة وأخرى كيس من الخيش فرد على شكل ملاءة ومعلق على حبل، وحول المدرسة وفي حوشها تكدست خيام صغيرة كأخمام الدجاج، فأكبر خيمة كانت في اتساع كيسين من الخيش وفي علو متر، أحد أطرافها مربوط بمسمار مدقوق بحائط المدرسة الخارجي أو دورة المياه، والطرف الآخر مربوط بوتد مدقوق في الأرض، يدخلها الناس زحفاً كالحيوانات.. خرجت أتفقد المكان وأبحث عن طعام، عائلات بأكملها تقيم تحت الشجر، وكثيرون يتسولون، كانوا يوزعون عليهم بمعدل رغيف واحد للفرد كل أربع وعشرين ساعة، رأيت مناظر أبكتني وأوجعت قلبي، صغار وكبار يأكلون قشر البطيخ كقوتهم الوحيد، وينامون في العراء دون غطاء.. قرب المدرسة كان هناك معسكر آخر من الخيش، تصليه الشمس ناراً حامية، يعجنون بعض الطحين ويخبزونه على نار الحطب التي يتصاعد دخانها إلى عنان السماء يعمي البصر ويزيد من حرارة الجو.. حتى الخيش الذي أعطوه لهم ليجعلوه ستاراً لدورات المياه، وجدوا أن دفع غائلة الموت عنهم أولى من ستر العورة، فصنعوا من الخيش فراشاً وأغطية لأطفالهم ونسائهم، ويقضون حاجاتهم في العراء".(24)

ورغم كل هذا الذل والمهانة والموت البطيء، لم تتركهم الطائرات الصهيونية بل واصلت قصفها للخيام لتقضي على الفلسطيني لتحقق مقولتها "أرض بلا شعب": "ماذا أقول يا بني. ذهبت لأحصل على بضع كيلو جرامات من الدقيق، فوجدت طابوراً أطول من كيلو متر يقف تحت أشعة الشمس المحرقة، وقبل أن يصلني الدور جاءت طائرات الصهاينة لتلقي فوقنا قنابلها.. مات من مات، واختلط الدقيق بلحم ودم الناس، وحينما خرجت من تحت اللوري فوجئت بالعديد ممن تقطعت أيديهم وأرجلهم".(25) لم تكتف إسرائيل بذبح الفلسطيني وسيلة لإخراجه من أرضه، بل لاحقته الطائرات بالقتل على طريق الهجرة وفي الخيام، وحينما استقر أيضاً في مخيمات البؤس والتشرد، ففي عام 1953 ارتكبت مجموعة أرئيل شارون مذبحة في مخيم البريج للاجئين، راح ضحيتها أكثر من 40 لاجئاً ما بين قتيل وجريح، وقبلها كانت مذبحة قبية والسموع، وتواصل مسلسل القتل العمد، فكانت مذابح خانيونس ورفح وكفر قاسم عام 1956، إلى اليوم، وما زال ذبح الفلسطيني قائماً.

هذا ما آلت إليه أوضاع الفلسطينيين بعد تشردهم من أرضهم، يعيشون في الخيام والمدارس والإسطبلات والكراجات والطرقات والمساجد، ينتظرون المعونة، ويواجهون الموت، ومن آثار الظلم الذي حل بالفلسطيني خلال تلك المرحلة أنه: "لم يحدث أن وضعت امرأة فلسطينية مولوداً في مستشفى، لقد جاء أطفال تلك المرحلة في الخيام والإسطبلات والمستودعات والأقبية، جاءوا حتى في الطرقات العامة، وخلف الأشجار، وتحت القناطر في الحقول، أما أولئك الذين ولدوا في مسجد أو كنيسة فقد كانوا من المحظوظين".(26)

ويبقى حنين الفلسطيني إلى أرضه متواصلاً لم ينقطع حتى وقت الهجرة والفعل القسري، لذلك يحاول دائماً العودة إذا ما سنحت له فرصة، وكانت سلطات الاحتلال تقتل كل من يحاول العودة، أو تعيده ثانية خارج الحدود. ويذكر أميل حبيبي على لسان (المتشائل) عندما خرج مع الحاكم العسكري إلى عكا في سيارة الجيب، ما وجدوه في الطريق الترابي بين أعواد السمسم، يقول: "وما إن مرت بضع دقائق حتى أوقف الجيب فجأة، وانطلق منه كالسهم، وقد أشرع مسدسه ثم اخترق أعواد السمسم وكشفها ببطء، فإذا بامرأة قروية مقرفصة ووليدها في حجرها، وقد رأرأت عيناه، فصاح: من أية قرية؟ فظلت الأم مقرفصة تطل عليه بنظرات شاخصة مع أنه كان واقفاً فوقها كالطود، فصاح: من البروة؟ فلم تجبه بعينيها الشاخصتين، فصوب مسدسه نحو صدغ الولد، وصاح: أجيبي أو أفرغه فيه..، وأما المرأة فقد أجابته هذه المرة، نعم من البروة، فصرخ: أعائدة أنت إليها؟ فأجابته: نعم عائدة، فصرخ: ألم أنذركم أن من يعود إليها يقتل؟ ألا تفهمون النظام. أتحسبونها فوضى، قومي أجري أمامي عائدة إلى أي مكان شرقاً، وإذا رأيتك مرة ثانية على هذا الدرب لن أوفرك".(27)           وإذا لم تستطع ابنة البروة من العودة إليها حية، فهذا العجوز ابن قرية دير سنيد في رواية (الآخرون) يوصي حين موته أن يدفن في تراب قريته، فالحنين إلى الأرض يبقى مشتعلاً، ولعل الدفن تحت رمالها يطفئ لهيب الحرقة والألم، "لا أستطيع أن أتخيل يضمني تراب غير تراب بلدتي.. هذه وصيتي إليكم".(28) وحقق أولاده وصيته.

وقد أكملت إسرائيل إرهابها وعنصريتها، فلم تكتف بالتشريد، بل قامت بهدم القرى لتطمس الأثر الوجودي للفلسطيني، وبلغ مجموع القرى التي دمرتها حوالي 418 قرية عربية،(29) وواصلت سياستها لتغيير معالم المكان وطمس المشهد الفلسطيني، بإلغاء الاسم العربي، وجعله عبرياً. حيث "شكلت الحكومة الإسرائيلية في عام 1949 لجنة علمية متخصصة لتغيير معالم المكان الذي تم الاستيلاء عليه وطرد سكانه، وكانت مهمة هذه اللجنة تغيير أسماء الأماكن العربية إلى أسماء عبرية، وقامت هذه اللجنة بعملها خير قيام، فقد مسحت اسم المكان العربي عن الوجود بعد أن دمرته آلة الحرب الإسرائيلية في عام 1948، لتكتمل المأساة في تهويد الأماكن، واختارت اللجنة أسماء توراتية وتاريخية يهودية لتعطي انطباعاً لدى السائح أو الزائر على أقدمية المكان، وأعدت الخرائط اليهودية التي تحمل الأسماء الجديدة عليها، وزرعت الأرض بالمستعمرات والمواقع العسكرية تحمل الأسماء العبرية الجديدة على أنقاض المواقع العربية".(30)

وأدرك الروائيون الفلسطينيون عمق المأساة، فأخذوا يعكفون في إبداعهم على رسم خريطة أرضهم ووطنهم بالأحداث والرجال، وملامح الطبيعة الثابتة فلم يتركوا شجرة أو تل أو نبع أو تربة أو نباتات، ما بين أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وما حولهما، إلا ذكروه، ولم تهمل الروايات بقعة واحدة مهما كان حجمها أو أهميتها، وذلك في محاولة منهم للوقوف في وجه الممارسات الإسرائيلية التي تسعى لفرض سياسة التجهيل والتهويد، وقطع جذور الفلسطيني بأرضه، في محاولة منهم لتثبيت ملامح الأرض والمكان حتى تبقى الذاكرة حية. ومن أكثر الروائيين الذين تميزت رواياتهم بأنه لا يحتويها مكان، الروائي "أميل حبيبي"، حيث نجد أن المكان لديه ممتد ومرسومة ملامحه ليستوعب كل أرض فلسطين: مدنها وقراها وعيونها وطرقها وجبالها وسهولها، وكل ما تحوي تلك الأماكن من بشر وشجر وماء وخمائل وبيارات، حتى ليمكن اعتماداً على رواية (المتشائل) أكثر من غيرها أن نستخلص تقويماً جغرافياً ـ تاريخياً لفلسطين.

ففي هذه الرواية يورد عدداً من أسماء القرى التي هدمها الاحتلال وشرد أهلها بكل وحشية، وقسوة، وذلك حين التقى الراوي بالأشباح الهائمة في فناء مسجد الجزار بعكا، انهالت عليه الأسئلة المتشابهة، نحن من الكويكات التي هدموها وشردوا أهلها، فهل التقيت أحداً من الكويكات؟ أنا من المنشية، لم يبق فيها حجر على حجر سوى القبول، نحن هنا من عمقا، ولقد حرثوها ودلقوا زيتها.. نحن هنا من البروة، لقد طردونا وهدموها.(31)

ويضيف "حبيبي" عدداً آخر من أسماء القرى.. التي إن دلت على شيء فإنها تدل على مدى الإرهاب الذي مارسته سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني.

كما تحاول سلطات الاحتلال بأي شكل استفزاز العربي في كل خطوة يخطوها من خلال ما يلاحظه من تغيير في الأسماء التي تعودها، فقد أخذت إسرائيل ـ كما ذكرنا ـ منذ أيامها الأولى في تغيير أسماء المدن والشوارع والساحات بأسماء عبرية وأجنبية، بهدف إضفاء الطابع اليهودي ـ التوراتي على المكان، "فساحة الحناطير في حيفا يصبح اسمها (باريس"، ومرج ابن عامر يصبح اسمه "سهل يزراعيل"، بينما تحمل عين جالوت اسماً مستمداً من التوراة "عين حارود"، ومن سخريات المتشائل أنه نتيجة لجهله بالعبرية حسب أن اسم مدينته الحبيبة حيفا قد تغير ليصبح "مدينة إسرائيل".(32) ونجد كذلك في (البحث عن وليد مسعود) اسم قرية عربية هي "أم العين" وتقع على الحدود، احتلها الإسرائيليون عام 1948 وأخرجوا سكانها منها وأبدلوا اسمها، فأصبح "رامات يوسيف".(33) ومن يقرأ في تاريخ الاستيطان الصهيوني ويدقق في أسماء تلك المستوطنات يجد أنها تحمل اسم البقعة العربية المقامة عليها مع تحريف لهذا الاسم ليتوافق مع الطابع اليهودي.

إن الاستيلاء على الأرض كان هو الطموح الأساسي الذي قامت عليه سياسة الاستيطان قبل وبعد عام 1948، لذلك ركزت سلطات الاحتلال على مصادرة الأراضي بعد فشلها في ترحيل أصحابها، وهي إحدى وسائلها الضاغطة والقسرية على ما تبقى من عرب فلسطين، وقدم سميح القاسم في (الصورة الأخيرة في الألبوم) إحصائيات عما كان لليهود من أرض، وما صار لهم، وذلك حين يحاول الراوي أن يقدم الصورة الحقيقية للاحتلال أمام حبيبته اليهودية "روتى"، تلك الصورة التي تتناقض مع ما لقنوه لها في المدارس والصحف الإسرائيلية، يقول: "مساحة وطننا في حدوده الانتدابية حوالي 27 مليون دونم حتى عام 1948 عام كارثتنا الرهيبة. لم تملكوا انتم سوى قرابة مليوني دونم، أما اليوم، وبعد ممارستكم لجميع وسائل سلب الأرض المعروفة والمبتكرة، فلم يبق في أيدينا سوى أقل من نصف مليون دونم". (34)

لقد أصبحت النكبة تمثل للفلسطيني رحلة تاريخ، وتحدد مصيره ما قبل وما بعد، فأصبح يؤرخ بهذا العام لحياته، كيف كانت؟ وكيف أصبحت؟ فهذا (المتشائل) عندما يريد أن يزور عكا يحدد يوماً لا ينسى في حياته، يقول: "وكان السبت الذي وقع عليه الاختيار هو اليوم الحادي عشر من آخر شهر في سنة 1948 ذات الكف العفريتية، فأنا لا أنسى هذا التاريخ الذي أصبحت فيما بعد أؤرخ به حياتي ما قبل وما بعد".(35)

وعندما يسعى الفلسطيني إلى قتل الإسرائيلي ويحرض عليه ويتكتل لإزاحته، يفعل ذلك من مستوى العقوبة أو الثأر ـ الفعل من جزاء العمل ـ ممن غدر وممن جاء لاغتصاب أرض ليست له، وممن صنع المذابح ونشر الدماء، وليس من مستوى عداء الدم أو الكراهية الفطرية. فهذه "هناء الغزاوي" في (حفنة رمال) تجيب الضابط المصري عن سبب وجودها في السجن، تقول: "أنا هنا لأن بلدي لم يعد هنا.. إن جريمتي تمشي مع جريمة غيري، عندما حاول أن يغتصب مني أرضي، قتلته، أجل قتلته. بعد أن قتل هو أيضاً ولدي الوحيد الذي رفض أن يبيع لهم الأرض، التي استولوا عليها بالقوة، إن ضحيتي هو مغتصب وطني.. هو قاتلي".(36) إن القتل هنا ليس من أجل القتل، وإشاعة جو من الفوضى والإرهاب كما فعلت المنظمات الصهيونية المسلحة، إنما القتل هنا دفاعاً عن الحق والأرض والولد، دفاعاً عن الحياة التي تحاول الصهيونية سلبها من الإنسان، فالعدوان بدافع من عقيدة عنصرية على كرامة امرئ واحد، إن كان، إنما هو جريمة بشعة قد ارتكبت في حق البشر جميعاً في كل مكان.

ولا ندعي بعد هذه البانوراما التراجيدية لنكبة الشعب الفلسطيني أننا قدمنا كل المأساة وتداعياتها، إنما بعض ملامح ما فعلته الهجمة الصهيونية الشرسة والوحشية ضد شعبنا، بهدف إزالة بعض ما علق بالذاكرة من تكلس، يقول محمد حسنين هيكل: "الأمم الكبيرة تحيا لكي تتذكر، والأصح أنها تتذكر لكي تحيا، لأن النسيان هو الموت أو درجة من درجاته، في حين أن التذكر يقظة، واليقظة حالة من عودة الوعي قد تكون تمهيداً لفكر ربما يتحول إلى نية فعل، ثم إلى فعل إذا استطاع ان يرتب لنفسه موعداً مع العقل والإرادة في يوم قريب أو بعيد".(37)

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية