مفهوم الصهيونية الصهيونية كلمة أخذها المفكر اليهودي "ناثان برنباوم" من كلمة "صهيون" لتدل على الحركة الهادفة إلى تجميع "الشعب اليهودي" في أرض فلسطين، ويعتقد اليهود أن المسيح المخلص سيأتي في آخر الأيام ليعود بشعبه إلى أرض الميعاد، ويحكم العالم من جبل صهيون. وقد حول الصهيونيون هذا المعتقد الديني إلى برنامج سياسي، كما حولوا الشعارات والرموز الدينية إلى شعارات ورموز دنيوية سياسية، ورغم تنوع الاتجاهات الصهيونية (يمينية ويسارية، ومتدينة وملحدة، واشتراكية ورأسمالية) ظلت المقولة الأساسية التي تستند إليها كل من التيارات الصهيونية هي مقولة "الشعب اليهودي"، أي الإيمان بأن الأقليات اليهودية في العالم لا تشكل أقليات دينية ذات انتماءات عرقية وقومية مختلفة، إنما تشكل أمة متكاملة توجد في الشتات أو المنفى بعيدة عن وطنها الحقيقي: "أرض الميعاد أو صهيون، أي فلسطين". ويعتقد الصهيونيون أنه لما كان الشعب اليهودي لا يوجد في وطنه، بل هو مشتت في الخارج، فإنه يعاني من صنوف التفرقة العنصرية، ويمارس إحساساً عميقاً بالاغتراب عن الذات اليهودية الحقيقية، وبالتالي لا يمكن حل المسألة اليهودية ببعديها، الاجتماعي والنفسي، إلا عن طريق الاستيطان في فلسطين. كما يرى الصهيونيون أن جذور الحركة الصهيونية ـ أو القومية اليهودية كما يسمونها ـ تعود إلى الدين اليهودي ذاته، وأن التاريخ اليهودي بعد تحطيم الهيكل على يد الرومان، هو تاريخ شعب مختار منفي، مرتبط بأرضه، ينتظر دائماً لخطة الخلاص والنجاة. نشوء الحركة الصهيونية وأيديولوجيتها يذكر الكاتب ايميل توما في كتابة جذور القضية الفلسطينية الفصل الثالث انه لم يكن من قبيل المصادفة أن تنشأ الصهيونية في أوروبا وأن يكون توقيت ظهور منظمتها في نهاية القرن التاسع عشر، وان تصوغ أيديولوجيتها على الوجه الذي صاغته فيه. فالأوضاع الاقتصادية والسياسية هي التي خلقت التربة لظهور اللاسامية، والصهيونية التي زعم أصحابها أنها الرد الوحيد على اللاسامية. إن الاستيطان الكولونيالي الذي بدأ في القرن الثامن عشر استمر في القرن التاسع عشر وخاصة في أقطار أفريقيا، إلا أن الأمر الحاسم الذي ميز الربع الأخير من ذلك القرن كان انتقال الرأسمالية في أوروبا إلى أعلى مراحلها: مرحلة الإمبريالية. وهذا كان يعني تحول رأسمالية التنافس الحر إلى الاحتكار واندماج المال المصرفي بالصناعة وتصدير رؤوس الأموال وإقامة احتكارات عالمية وتقسيم المستعمرات تماماً. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فالانتقال من الرأسمالية إلى الإمبريالية شدد الصراعات الاجتماعية والقومية. وجعل الصراع بين الطبقة العاملة والرأسمالية الصراع الجوهري الذي يترك طابعه على كل ميادين الحياة ونواحي التطور. ولم ير القرن التاسع عشر شيوع أيديولوجية الاشتراكية العلمية ومولد الحركة الشيوعية العالمية(1)فحسب. بل شهد أول محاولة في التاريخ تقوم بها الطبقة العاملة (الفرنسية) لخلع نير الرأسمالية وإقامة المجتمع العادل الذي يقضي على استغلال الإنسان للإنسان. لقد هزت هذه المحاولة التي يعرفها التاريخ بكومونة باريس عام 1871 الرأسمالية وخاصة في أوروبا وأيقظتها على خطورة الطبقة العاملة التي اتسعت صفوفها بفضل التطور الصناعي المتواصل وتحسن تنظيمها بفضل خبراتها المتراكمة، وتعمقت نضاليتها الثورية نتيجة ظروفها القاسية. ولجأت الرأسمالية إلى مختلف الأساليب لوقف المد الثوري. فمن الناحية الواحدة استخدمت القمع والعنف في وقف مد النضال الطبقي الثوري، ومن الناحية الأخرى لجأت إلى الاستيطان الكولونيالي في سبيل تخفيف عنف هذا الصراع. هكذا وصف الإمبريالية سيسل رودس(2)دور الكولونيالية الاستيطانية في هذا الصراع في عام 1895: "كنت أمس في الايست اند (حي العمال في لندن) وحضرت اجتماعاً من اجتماعات العمال العاطلين وقد سمعت هناك خطابات فظيعة كانت من أولها إلى آخرها صرخات الخبز! الخبز! وأثناء عودتي إلى البيت كنت أفكر بما رأيت، وتبينت أوضح من السابق أهمية الاستعمار.. إن الفكرة التي أصبو إليها هي حل المسألة الاجتماعية، أعني: ليكما ننقذ أربعين مليوناً من سكان المملكة المتحدة من حرب أهلية مهلكة ينبغي علينا نحن الساسة طلاب المستعمرات أن نستولي على أراض جديدة لنرسل إليها فائض السكان ولنقتني ميادين جديدة لتصريف البضائع التي تنتجها المصانع والمناجم. فالإمبراطورية، وقد قلت ذلك مراراً وتكراراً، هي مسألة البطون. فإذا كنتم لا تريدون الحروب الأهلية ينبغي عليكم أن تصبحوا استعماريين".(3) ولم تكتف الرأسمالية بهذين الأسلوبين بل استخدمت اللاسامية أيضاً حين دعتها إلى ذلك ضرورة تحويل الصراع الاجتماعي عن مساربه الصحيحة. وابتدع الرجعيون اللاسامية- وهي من الأيدلوجية العنصرية السيئة الصيت- في هذه المرحلة بالذات، مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الإمبريالية واحتدام الصراعات الاجتماعية في أوروبا لأنهم اعتقدوا أنها سهلة الترويج. ويحدد كثيرون من المؤرخين وقت ظهور اللاسامية في سنوات السبعين من القرن التاسع عشر ويؤكدون أن الساسة لجأوا إليها خدمة لأغراضهم. وهذا ما يؤكده ماكس ديمونت في مؤلفه "اليهود والله والتاريخ" حين كتب: ان اللاسامية وهي أيديولوجية معاصرة تختلف تمام الاختلاف عن معاداة اليهود، في القرون الوسطى. نشأت في أواخر القرن التاسع عشر (ص 311 و 313). وشاعت بين الفئات المتوسطة التي كانت قلقة بحكم عدم استقرار أوضاعها الاجتماعية (ص 315) وأضاف ان ساسة اليمين استخدموها في محاربة ساسة اليسار. ثم كتب: وفسر الساسة عدم استقرار هذه الفئات لا بأسبابه الاجتماعية والاقتصادية، بل بسبب شرور اليهود. فإذا كانت هذه الفئات تخاف اخطار الرأسمالية عليها، لوحوا لها باليهودي الرأسمالي المستغل، أما إذا كانت تخاف الشيوعية فكانوا يلوحون لها بالشيوعي اليهودي المتآمر.(ص 318) وهكذا فظهور الأيديولوجية العنصرية رافق الإمبريالية التي كانت تبرر احتلالها وسيطرتها على الأقطار المختلفة في آسيا وأفريقيا بذريعة "تمدين" شعوبها. وذريعة "التمدين" التي اتخذت شعاراً لها "عبء الرجل الأبيض" استنفرت بطبيعة الأمور فكرة رقي شعوب الدولة الإمبريالية عرقاً على الشعوب المتخلفة ونقواتها العنصرية بالنسبة لتلك التي أدنى منها تطوراً أو "أغمق" منها لوناً. وتؤكد حقائق التطور أن الأيديولوجية العنصرية كانت أسبق من اللاسامية التي تفرعت عنها، وأن اللاسامية انتشرت أول ما انتشرت في ألمانيا الإمبريالية في وقت الصراع الاجتماعي. ويتفق كافة المؤرخين على ان مستشار ألمانيا بسمارك الذي قام بدور كبير في انعتاق اليهود ودمجهم في الحياة الألمانية، لجأ بنفسه إلى اللاسامية في معركته السياسية حين قاد معركة حزب المحافظين مع الأحرار الذين اعتبرهم تقدميين. وكتب هوارد مورلي ساخر في مؤلفه "مسيرة التاريخ اليهودي المعاصر" يؤكد ارتباط اللاسامية بالصراع الاجتماعي على النحو التالي: "وكانت سنوات السبعين في القرن التاسع عشر بالحقيقة سنوات أزمة الطبقة الوسطى الدنيا. كانت سنوات هبوط اقتصادي فقد خلالها أصحاب الحوانيت والمعلمون، بشكل خطير مكانتهم بوصفهم أصحاب الياقات البيضاء". وأضاف: "وخلال هذه الفترة بالضبط ظهر المدعو أدولف ستوكر وأدرك كره هذه الفئة الاشتراكية الماركسية والبروليتاريا فأسس "حزب العمال المسيحي الاجتماعي" واستخدم اللاسامية في دعايته لكسب الأنصار". (ص 224-225) ويتأكد ارتباط اللاسامية بالأوضاع الاجتماعية الاقتصادية في أنها لم تظهر إلا في أوقات احتدام الصراعات الاجتماعية وتبددت حين لم تعد هناك ضرورة لها. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن اللاسامية التي شاعت في ألمانيا في سنوات السبعين والثمانين في القرن التاسع عشر اختفت تقريباً من الحياة السياسية عند نهاية القرن المذكور ومطلعه لتعود إليها في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، في وقت احتدم فيه الصراع الاجتماعي احتداماً هائلاً واتسعت صفوف الحركة الشيوعية وتعاظم دورها في الحياة الاقتصادية والسياسية. وليس يهمنا طبعاً من اللاسامية هنا غير مقولتها الأساسية، فهي انطلاقاً من مصدر أيديولوجيتها العنصرية تعتبر اليهود أمة منفصلة لا يمكن لأفرادها أن يندمجوا بالشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. ولذلك كانت اللاسامية نقيض حركة انعتاق اليهود التي اقترنت بالثورات البرجوازية، في أوروبا على وجه التحديد، وخطت خطوات بعيدة المدى في دمج الطوائف اليهودية بالقوميات التي تعيش في أقطارها. واقترن ظهور اللاسامية بتطور عيني في الفكرة القومية في أوروبا. لقد كانت الحركات القومية في أوروبا حركات تقدمية دينامية هدفت إلى تصفية تجزئة الإقطاعية وانعزالية ولايات الشعب الواحد. وفي الفترة التي نحن بصددها، على الرغم من بقاء جيوب الكفاح القومي في الإمبراطوريات المتعددة القوميات في أوروبا، كانت الفكرة القومية قد فقدت طابعها التقدمي وأصبحت أداة في أيدي الإمبرياليين يستخدمونها لتوسيع إمبراطورياتهم تحت شعار "الكبرياء القومي" و "تمدين الشعوب". وظهر هذا التغيير في طابع الحركات القومية في الحرب الفرنسية- البروسية التي خاضتها بروسيا من أجل خلق الأوضاع لإتمام وحدة المانية. ولكن هذه الحرب الإيجابية في بدايتها تجاوزت طابعها التقدمي حين تخطت الجيوش البروسية حدود ألمانيا وغزت الأراضي الفرنسية. وهكذا، إذا استثنينا بعض الشعوب التي كانت ترزح تحت قيود الكبت القومي نستطيع أن نقول إن القومية أصبحت في أوروبا أداة بيد القوى الرجعية. الأيديولوجية الصهيونية: تبلورت الفكرة الصهيونية السياسية المعاصرة التي ظهرت في القرن التاسع عشر في كتاب ثيودور هرتسل "الدولة اليهودية" الذي ظهر عام 1896. صحيح أن منظمات "أحباء صهيون" نشأت أساساً في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ودعت إلى الهجرة إلى فلسطين، إلا أنها لم تترك أثراً عميقاً في حياة جماهير الطوائف اليهودية وكان من الممكن أن يعد الذين لبوا هذه الدعوة بالعشرات، فجماهير هذه الطوائف في روسيا القيصرية كانت قد انصبت في موجة الحركة الثورية الناهضة. كذلك عالج القضية اليهودية من منطلقات مماثلة لمنطلقات هرتسل اليهودي الروسي مواطن أودويسا ليو بنسكر ووضع استنتاجاته في كتابه "التحرر الذاتي"، إلا أن دعوته لإقامة دولة يهودية- لا في فلسطين بالضرورة إذا استبعدها. واعياً،- لم تجد إطاراً تنظيمياً، وكان يجهلها هرتسل وأولئك الذين أقاموا المنظمة الصهيونية فيما بعد. ولهذا اقترنت الحركة الصهيونية بهرتسل لأنه قرن أيديولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بال من أعمال سويسرا في عام 1897. ما هي أسس الأيديولوجية الصهيونية؟ إن منطلق أصحاب هذه الأيديولوجية الأول، كما صاغه هرتسل وخلفاؤه من بعده "ان الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها هي، إما ضمناً أو صراحة، لا سامية وأن اليهود هم شعب واحد... جعلهم أعدائهم هكذا بدون موافقتهم كما يحدث مراراً وتكراراً في التاريخ". (هرتسل: "الدولة اليهودية" إصدار المجلس الصهيوني الأمريكي عام 1946 ص 92). وهكذا ينطلق الصهيونيون من المقولة الغيبية التي تتجاهل العوامل الاقتصادية- الاجتماعية التي خلقت اللاسامية ويؤكدون أن اللاسامية أبدية قائمة بين كل الشعوب قاطبة، وهي لطابعها العدائي أنشأت الشعب اليهودي ووحدته، بدون إرادته أو موافقته. وهذا يعني أن الصهيونية قبلت مقولة اللاسامية وأصبحت وجهها الآخر. وفي هذا الصدد كتب بن هلبرن صاحب كتاب "فكرة الدولة اليهودية": "نمت اللاسامية السياسية اذن بوصفها حركة مضادة للثورة معادية للوضع القائم لا بالنسبة لوضع اليهود فحسب، بل بالنسبة إلى البناء الديمقراطية والمواقف الليبرالية التي اتخذتها المجتمعات المعاصرة عامة". (ص 10) وأضاف أن جمهرة اليهود رفضت مقولة اللاسامية واعتبرت نفسها جزءاً من القوميات التي اقترنت حياتها بحياة طوائفها اليهودية: "فقد أنكر اليهود الساعون نحو الانعتاق أن يكونوا قومية منفصلة" (ص 12). وعلى هذا الضوء يظهر أن الصهيونية فرضت الأيديولوجية اللاسامية حول "القومية اليهودية المنفصلة" على الطوائف اليهودية، على الرغم من مقاومتها ذلك. وفي الواقع وجدت الصهيونية صعوبة كبيرة في الانتشار بين الطوائف اليهودية في أوروبا الغربية حيث ظهرت المنظمة الصهيونية في البداية. ومن الدلائل على ذلك أن الطائفة اليهودية في ميونخ من أعمال ألمانيا رفضت بشدة عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينتها، مما دفع القيمين عليه لعقده في بال السويسرية. وقررت التقارب بين اللاسامية والصهيونية، أيديولوجياً، على الرغم من التناقض الظاهر بينهما، قرره إلى حد كبير موقف المنظمة الصهيونية من اللاسامية، فالقيادة الصهيونية لم تجد في اللاسامية عدواً خطيراً بل عاملاً مساعداً على تحقيق برامجها، انطلاقاً من مقولة هرتسل أن أعداء اليهود هم الذين جعلوهم شعباً واحداً. بل ان هرتسل ذهب إلى أبعد من ذلك، وفي وصفه انتقاله من معسكر أنصار الانعتاق والاندماج إلى أنصار الانعزالية الطائفية كتب أنه اكتشف "أن اللاسامية وهي قوة غير واعية وشديدة المراس بين الجماهير لن تضر اليهود" وأضاف أنه يعتبرها "حركة مفيدة لتطوير الخلق اليهودي". (يومياته- مختصرة إصدار المكتبة الكونية ص 10). وهكذا، فعلى الرغم من التناقض بين اللاسامية التي تصف اليهود بكل المثالب التي اكتشفتها العقليات المتعصبة، والصهيونية التي تضفي على اليهود كافة نعوت الكمال الإنساني، فقد كان التقارب ملازماً لهما على صعيد العمل، إذ كانت الصهيونية ترى في اللاسامية محركها التاريخي وتحتاج إلى نشاطها لتحقيق أهدافها. واتخذ هذا التقارب لا شكل سكوت على اللاسامية فحسب بل إطار تعاون وثيق بين اللاساميين والصهيونيين. وهذا ما أظهرته حقائق التعاون بين القادة الصهيونيين مع النازيين قبل الحرب العالمية الثانية. وقبل وقت غير بعيد نشرت بعض مجلات هذه البلاد فضحية المنظمة الصهيونية في العراق التي ألقت القنابل على الكنس وتجمعات اليهود بقصد اجتثاث جماهير الطائفة اليهودية مت تربتها الطبيعية، التي نمت فيها عبر قرون، وتهجيرها إلى إسرائيل. واعتماداً على المقولتين: أبدية اللاسامية "وفضل" عملية الانعتاق والاندماج، أولاً، ووجود الشعب اليهودي بفضل أعدائه، ثانياً، استنتجت الصهيونية أن المشكلة اليهودية لا حل لها بغير تجميع "شتات" اليهود في مركز واحد يقيمون فيه دولتهم وتنتهي مشكلتهم التي "امتدت حوالي ألفي سنة" منذ أن "شتتهم الرومان"!!(4) ولم يترك الصهيونيون أيديولوجيتهم بهذه البساطة بل تعمقوا في بحث ملامحها وألبسوها حللاً "علمية". ومن هذا القبيل ما كتبه ليو بنسكر في كتابه "التحرر الذاتي". فقد اعتمد في بنائه الأيديولوجي على أن اليهود هم قوم شبح لا وطن لهم، وبما أن الإنسانية تكره الأشباح لذلك تنزل بهم الشعوب الاضطهاد التعذيب، والحل إذن يكمن في تحويلهم من قوم شبح إلى قوم طبيعي، وهذا يتم إذا ما أقاموا وطناً لهم في مكان ما، فعندئذ يتوقف اضطهادهم حتى لو بقيت بعض طوائفهم في أقطار مختلفة فهم عندئذ يكونون جالية كسائر الجاليات التي تعيش بين قوميات أخرى. ولم يكن تعيين الوطن أمراً مفروغاً منه منذ البداية، فليو بنسكر استبعد فلسطين عند بحثه أمر اختيار الوطن، واعياً، على اعتبار أن ذكرياتهم المرتبطة بها قد تكون عاملاً معرقلاً. كما أن المنظمة الصهيونية، مع أنها في مؤتمرها الأول دعت إلى إقامة الوطن القومي في فلسطين، إلا أنها عادت في عام 1903 ووافقت على اقتراح ممثل الإمبريالية البريطانية تشمبرلين إقامة الوطن القومي في أوغندا. أما الاتفاق نهائياً على اختيار فلسطين فيعود إلى عاملين: نشوء ظروف تساوقت فيها مصلحة الإمبريالية البريطانية والصهيونية أولاً واكتشاف الصهيونيين أن من الأسهل استنفار جماهير الطوائف اليهودية لبناء وطن قومي في فلسطين بسبب اقترانها بالدين اليهودي وذكريات تاريخية قديمة. كذلك ارتأت الأيديولوجية الصهيونية أن الأمة اليهودية لا أمة عالمية فحسب، بل أمة من نوع فريد تتجاوز التقسيمات الطبقية وينتفي فيها الصراع الاجتماعي. ولهذا كانت دعوة هرتسل معادية للاشتراكية التي وضعها التاريخ على بساط البحث في تلك الفترة التاريخية في أوروبا. وكان واضحاً أن الصهيونية التي كان من الممكن أن تجد قاسماً مشتركاً مع اللاسامية، لم تجد قاسماً مشتركاً مع الاشتراكية العلمية، وكان اصطدامها بها تصادماً مباشراً على طول الجبهة. ففي حين كانت الحركة الاشتراكية الثورية آنذاك تدعو إلى وحدة النضال الطبقي بين العمال عامة بغض النظر عن انتمائهم القومي أو الطائفي وترى في القضاء على حكم الطغيان الرأسمالي حلاً للمشاكل القومية والطائفية ومن بينها المشكلة اليهودية، وتنادي باندماج اليهود مع سائر القوميات، ظهرت الصهيونية عنصراً مخرباً في الطبقة العاملة تدعو إلى انسحاب العمال اليهود من النضال الطبقي والسير وراء سراب الصهيونية وتعميق العزلة الطائفية والقومية في مرحلة النهوض الطبقي الثوري. وفي حين أن القيادة الصهيونية لم تبذل أي جهد لجذب اليهود الرأسماليين النشيطين من الأحزاب البرجوازية (ليبرالية كانت أم محافظة)، بذلت جهوداً ضخمة، لجذب اليهود من الحركات الثورية. وفرضت تطورات الحياة السياسية- الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة حيث تدفقت الهجرة اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تغييرات في الأيديولوجية الصهيونية التي لم تجد جذوراً لها بين جماهير عمال الطوائف اليهودية. ولهذا ظهر تياران لا يتعارضان بالضرورة: تيار الصهيونية التقليدي الذي يرتئي الدولة اليهودية، في وطنها المقبل دولة برجوازية، مثل سائر الدول البرجوازية في أوروبا... وتيار الصهيونية "الاشتراكية" الذي يقبل بمقولات الصهيونية كلها، إلا أنه يدعو إلى أن تكون الدولة دولة "اشتراكية" أن هذين التيارين لم يتعارضا وبقيا في إطار الأيديولوجية الصهيونية البرجوازية، المتناقضة تناقضاً لا مهاودة فيه مع الاشتراكية العلمية لأن تيار الصهيونية "الاشتراكية"! انطلق من قاعدة التعاون الطبقي باعتباره الطريق الوحيد لإقامة الوطن القومي وتنفيذ برنامج الصهيونية الإقليمي. وتتبلور الأيديولوجية القومية البرجوازية في هذه الصهيونية "الاشتراكية"! في توجهها الجوهري لمشكلة الطوائف اليهودية "فالصهيونية الاشتراكية" كما أذاعها بير بوروخوف ترى الصراع القومي سابقاً للصراع الطبقي- الاجتماعي ولذلك لابد من تجميع الشتات وإقامة القوم أولاً، وهذا ما يتعارض مع الاشتراكية العلمية التي ترى التطور التاريخي حصيلة الصراع الاجتماعي منذ أن نشأت الطبقات بعد عهود الإنسانية الأولى. والأمر الجوهري الذي يميز الاشتراكية العلمية عن الأيديولوجية البرجوازية أن الاشتراكية العلمية ترى في نشوء القوميات وإقامة الدول ظاهرة اقترنت بنشوء الرأسمالية وانتصارها على التمزق الإقطاعي لا ظاهرة أزلية. وهنا ينشأ السؤال: هل يمكن اعتبار الصهيونية بوصفها أيديولوجية قومية، أيديولوجية حركة تحرر قومي يهودي؟ إن نشوء القوميات والدول القومية اقترن بنشوء البرجوازية وانتصارها على الإقطاعية. هذا ما وقع في بريطانيا وفي فرنسا وفي غيرها. وفي مثل هذه الأقطار لم تكن هناك حركات قومية بل حركات اجتماعية تسلمت قيادتها البرجوازية وأيدتها الطبقات الشعبية- من العمال والفلاحين في معركتها مع الإقطاعية. ولكن نتيجة التطور غير المتعادل والتفاوت في ظروف القوميات الأوروبية نشأت بين القوميات المكبوتة في الإمبراطوريات العثمانية والروسية القيصرية والنمساوية- الهنغارية حركات تحرر قومي هدفت إلى إقامة الدول القومية المستقلة. وأيدت الإنسانية المتقدمة وفي طليعتها قوى الاشتراكية العلمية هذه الحركات القومية باعتبارها حركات تدعم مسيرة التقدم الاجتماعي. وقد أسهمت هذه الحركات فعلاً في تقويض دعائم الإمبراطوريات الإقطاعية وتدعيم الديمقراطية البرجوازية وخلق الظروف الأفضل لنمو النضال الطبقي. ولكن أيديولوجية القومية البرجوازية التقدمية كانت قد تحولت، في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، وقت ظهور الصهيونية، إلى أيديولوجية التوسع الإقليمي على حساب الشعوب وبهذه الأيديولوجية اقترنت الصهيونية لا بغيرها. ثم أن الأيديولوجية الصهيونية في مسيرتها لم تسهم في الظروف الموضوعية في حركات التقدم الإنساني، بل دعمت قوى الردة والإمبريالية على الصعيدين الأوروبي والعالمي. فمن الناحية الأوروبية الداخلية وقفت الصهيونية ضد حركات انعتاق اليهود العامة واندماجهم بمجتمعاتهم في كل قطر من الأقطار، كما صادمت الحركات الاشتراكية الثورية بمحاولتها جذب العمال اليهود بعيداً عن تلك الحركات. ومن الناحية العالمية دعت إلى الاندماج في مخططات الإمبريالية العالمية بشقيها الكولونيالي الاستيطاني والسياسي الاستراتيجي. لاتجاهات الصهيونية من ابرز الاتجاهات الصهيونية الصهيونية الدينية: تقوم الصهيونية على أربعة أسس رئيسة: ـ الإيمان بالإله الواحد. ـ الإيمان بأن اليهود هم شعبه المختار. ـ الإيمان بأن المسيح سوف يرسله الرب لتخليص شعبه والإنسانية. ـ الإيمان بعودة اليهود إلى وطنهم الأصلي. ويبني اليهود المتدينون آمال المستقبل من العبرة بالماضي، فهم يفسرون التوراة بأن الإسرائيليين القدماء أضاعوا الأرض المقدسة بسبب ارتكابهم المعاصي ضد الآخرين، وبسبب تخليهم عن إلههم الواحد من أجل آلهة أخرى. واليهودية في جوهرها، دين ميثاق أو عهد. وإن اختلف هذا العهد من جيل إلى جيل، فهو دائماً يبقى عقداً بين الشعب والله، فالله وعدهم بالأرض، وبأن يعيشوا فيها عيشة ازدهار. لكن، في مقابل ذلك، على اليهود من جانبهم أن يقوموا بتنفيذ الشروط الخلقية والمبدئية للعهد، كما يشرحها أنبياء الله في كل عصر. فالصهيونية الدينية تختلف عن الصهيونية السياسية التي قرر رجالها في مؤتمر بازل سنة 1897 العودة إلى الأرض المقدسة، ولم ينتظروا المعجزة الإلهية، حيث أن الصهاينة المتدينين لا يرون في أي مؤتمر سياسي طريقاً للعودة. وهم، أكثر من ذلك، لا يرون حتى في عذاب الهولوكوست ومعسكرات النازية، سبباً للعودة، فالعودة إن لم تقترن بالإرادة الإلهية، أي بقدوم المسيح الجديد، هي عودة باطلة. الصهيونية الدينية، إذا، براغماتياً، نهج يصعب جداً ترجمته إلى حركة سياسة فاعلة، ومن هذا المنطلق، يرى الصهاينة المتدينون أن قيام (إسرائيل) الدولة قيام باطل، لأنه جاء بناء على قرار سياسي لا تطبيقاً لشروط الوعد الإلهي. وظهرت مواقف وأقوال متعددة من قبل اليهود، تشرح وجهة النظر الدينية الأرثوذكسية، كان من أولها عريضة بتسيبرغ الصادرة سنة 1885 التي جاء فيها "نحن لا نعتبر أنفسنا شعب بل جماعة دينية، ولذلك فنحن لا نتوقع عودة إلى فلسطين". الصهيونية الثقافية ـ الروحية: الصهيونية الثقافية، أو الصهيونية الروحية، كما يطلق عليها أيضاً، تنبع فلسفتها في القومية اليهودية من أولوية التراث الثقافي والخلقي، واللغة العبرية، وعلى الرغم من الأهمية التي تعطيها لقضية تجميع اليهود في أرض الأجداد، فإنها ترفض، من أجل الحصول على الأرض، إدعاء الصهيونية السياسية بحجة معاداة السامية واستفحالها، أو بالأوضاع المتردية التي تحيط باليهود اقتصادياً وسياسياً، وعوضاً عن ذلك، فهي ترى أن أعظم تهديد لبقاء اليهود في العقد الأخير من القرن التاسع عشر خاصة، يكمن في الضعف الداخلي للمجتمعات اليهودية، وفي فقدانها أي إحساس بوحدتها، وفي تداعي إمساكها بالقيم التقليدية والمثاليات والآمال. قبل ظهور هيرتزل، برز عدد من المفكرين اليهود الذين أكدوا أهمية العامل الثقافي في بعث روح القومية اليهودية، ومن أبرزهم موشى هس، وبيريز سمولنسكين، وكذلك كان للتوجه التراثي أهمية بارزة في جمعية "أحباء صهيون"، إلا أن الفضل في تطوير مضامين الصهيونية الثقافية، فكراً وتوجيهاً، يعود إلى أحاد هاعام الذي كان يشدد على اللغة العبرية والقيم اليهودية التاريخية. مستفيداً في ذلك من تجربة استقلال البلدان الأوروبية التي بدأت فكريا بانفصال اللغات عن اللغة اللاتينية مما عزز الشعور الوطني والقومي لدى الشعوب ونمى إحساسها بكيانها وبالتالي دفعها للقيام بالثورات لنيل الحرية. انتقد أحاد هاعام ، في مقاله "الطريق الخطأ" الذي نشره سنة 1889 سياسة الاستيطان في فلسطين، وقال أن "لا أمل بنجاح حركة الاستيطان، ما لم توقف وسائلها بإغراء القادمين عن طريق الخداع والأوهام بطرح المكاسب الذاتية، وتتوجه عوضاً من ذلك إلى إيقاظ وطنيتهم اليهودية الخفية، وحبهم لصهيون، لأنهم هكذا فقط يستمدون قوة معنوية لمواجهة صعوبات الحياة التي تجابههم في أرض الأجداد". شن آحاد هاعام حرباً صحافية على مؤتمر بازل الذي كان أحد حضوره واتهم هيرتزل بإهمال الجانب الثقافي الذي كان يرى في إحيائه الضمانة الوحيدة ضد الاندماج، وأظهر خشيته أن تؤدي الحملة الدبلوماسية إلى إجهاض العمل قبل الأوان. الصهيونية العملية ـ البراغماتية: اشتهرت الصهيونية العملية كمصطلح في تاريخ الحركة الصهيونية، وكحركة نشيطة ذات برنامج واحد، بعد صعود هيرتزل وصعود برنامجه السياسي معه، فالصهاينة العمليون كانوا يرون في النشاط الدبلوماسي اللاهث وراء وعود وضمانات دولية مضيعة للوقت، لذلك عارضوا هيرتزل، وحصروا جهودهم في تنمية المستعمرات داخل فلسطين، والعمل على زيادة الهجرة إليها، حتى تفرض سياسة الأمر الواقع نفسها. إلا أن هذا لا ينفي وجود بدايات، ولو متعثرة، للصهيونية العملية، تندرج في نشاطات الحركة التي عرفت باسم "أحباء صهيون". (لمزيد من التفاصيل راجع جمعية "أحباء صهيون"). الصهيونية السياسية: اصطلاح يستخدم للتمييز بين البدايات الصهيونية مع جمعية "أحباء صهيون" التي كانت شبه ارتجالية تعتمد على صدقات أغنياء اليهود وبين صهيونية هيرتزل التي حولت المسألة اليهودية إلى مشكلة سياسية، وخلقت حركة منظمة محددة الأهداف والوسائل. وتعتبر الدعوات الفكرية التي أطلقها رواد الصهيونية، ولاسيما بنسكر، حجر الأساس في قيام الصهيونية السياسية التي أطلقها هيرتزل سنة 1897، وبمعنى آخر، فالصهيونية السياسية كانت قائمة، لكن في عالم النظريات، حتى جاء هيرتزل وحولها إلى حركة سياسية. وهناك من يكتفي بالإشارة إلى الصهيونية السياسية بالصهيونية فقط، غير أن نعتها بالسياسية قد نجم عن معارضة الصهاينة العمليين والثقافيين لهيرتزل، مما أدى إلى تمييز دعوته ونهجه على أساس كونها "الصهيونية السياسية" أو "الصهيونية الدبلوماسية". وقد أدرك هيرتزل إمكانية الاستفادة من المخططات الإمبريالية الغربية في مسعاه لاستعمار فلسطين نظراً لتفكك السلطنة العثمانية والتسابق الإمبريالي المحموم على المستعمرات وعلى فلسطين بوجه خاص. إلا أن الفرصة لم تسنح إلا خلال الحرب العالمية الأولى عندما اتضح أن العرب يتجهون نحو الاستقلال والوحدة، الأمر الذي يهدد المصالح الإمبريالية، فكان وعد بلفور والزواج الإمبريالي البريطاني الصهيوني المعروف. وقد أثرت الصهيونية السياسية على جميع التيارات الصهيونية بشكل أو بآخر. الصهيونية العمالية (الاشتراكية) يركز الصهاينة العماليون أو الاشتراكيون على الجانب الاقتصادي والاجتماعي في وضع اليهود الناتج عن فقدان القدرة على الاندماج، لا على الجانب الديني من المسألة اليهودية. ولعل أهم تيارات المدرسة الصهيونية العمالية هي مدرسة غوردون التي ركزت على فكرة اقتحام الأرض والعمل كوسيلة من وسائل التخلص من عقد المنفى ووسيلة عملية لغزو الأرض وصهر القومية اليهودية الجديدة. وقد بادر رواد "الهجرة اليهودية الثانية" إلى إنشاء منظمات عمالية عديدة مثل عمال صهيون والعامل الفتي والحارس الفتي والتي تحولت في فترة لاحقة إلى أحزاب عمالية رئيسية من المستوطنين الصهيونيين تمخضت عنها منظمات اقتصادية سياسية مثل الهستدروت والكيبوتز والهاغاناة والبالماخ والتي شكلت بمجموعها الأدوات الرئيسية لعملية الغزو الصهيوني لفلسطين. وهناك اتجاهات صهيونية أخرى لم يكن لها انتشار بين اليهود لأسباب كثيرة، منها هيمنة الصهيونية السياسية على تطور الفكر الصهيوني الذي حقق الهدف الأساسي للصهيونية في إقامة (دولة إسرائيل) ومن هذه الاتجاهات الصهيونية: "الصهيونية الإقليمية" و"الصهيونية التنقيحية" و"الصهيونية التوفيقية" و"صهيونية الدياسبورا" و"الصهيونية الراديكالية" و"الصهيونية العمومية" و"الصهيونية الكولونيالية". ؤتمر بازل عام 1897 بدأ التحضير الجدي لعقد مؤتمر صهيوني مع مطلع سنة 1897، وكان مقرراً عقده في ميونخ بألمانيا، لكن عندما أرسلت الدعوات الرسمية غضب اليهود الغربيون وأعلنوا سخطهم على المؤتمر، واعتبرته الصحافة الألمانية اليهودية خيانة، كما رفضت رابطة رجال الدين اليهود في ألمانيا هذا المؤتمر بشدة. أدت هذه الحملة إلى نقل مكان المؤتمر إلى بازل في سويسرا، وانصرف هيرتزل إلى مراسلة زعماء اليهود قاطبة، يحثهم على انتخاب النخبة البارزة بينهم. عقد المؤتمر أخيراً في بازل (29ـ31 آب 1897)، وحضره 204 أعضاء من اليهود، يمثلون 15 دولة، وترأس هيرتزل المؤتمر. وضع المؤتمر ما عرف فيما بعد باسم "برنامج بازل" الصهيوني، والقرار الأساسي الذي اتخذه المؤتمر هو: "إن غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام". وحدد المؤتمر الوسائل الكفيلة لتحقيق هذه الغاية بما يلي: 1ـ تعزيز الاستيطان في فلسطين باليهود المزارعين، والحرفيين، والمهنيين، وبناء على قواعد صالحة. 2ـ تنظيم اليهود كافة، وتوحيدهم بواسطة إنشاء المؤسسات المحلية والعامة الملائمة، وفقاً للقوانين السارية في كل بلد. 3ـ تقوية الشعور اليهودي القومي والضمير القومي. 4ـ إتخاذ الخطوات التحضيرية للحصول على موافقة الحكومات، التي يجب الحصول عليها، لتحقيق هدف الصهيونية. ومن الناحية التنفيذية، أسس المؤتمر "المنظمة الصهيونية العالمية"، وانتخب هيرتزل رئيساً للمنظمة الصهيونية، وتم إقرار النظام الداخلي للمنظمة وهيكلها التنظيمي وشروط العضوية، فمنح حق العضوية لكل يهودي في العالم يلتزم ببرنامج بازل، ويدفع اشتراكاً سنوياً يسمى "شيقل" ـ وهو وحدة العملة التي كان يتداولها العبرانيون القدامي -. وللمنظمة رئيس ولجنة تنفيذية ومجلس عام يتمتع بصلاحياته المؤتمر ما بين دورات انعقاده. كما أقر المؤتمر شكل العلم الصهيوني (ترس داود) ونشيداً قومياً. وجدير بالذكر أن مؤتمر بازل قد تعمد أن يستعمل في قراره الرئيس تعبير "وطن" (hermstaeete) أو (Home) لأسباب دبلوماسية، بينما كان القصد الحقيقي للمؤتمر منذ البداية هو "دولة يهودية". وقد أكد هيرتزل نفسه هذه الحقيقة في مذكراته بقوله : " لو أردت أن ألخص مؤتمر بازل بكلمة واحدة ـ وهي كلمة سأحرص على ألا أتلفظ بها علناً ـ لقلت : " في مؤتمر بازل أرسيت أسس الدولة اليهودية". خطط هرتسل والاستيطان الاستعماري كان كتاب ثيودور هرتسل "دولة اليهود"، تجسيداً للأيديولوجية الصهيونية، ومخططاً لبناء الدولة اليهودية، عالج أدق تفاصيل عملية البناء ابتداءً من إقامة "جمعية اليهود"- الهيئة التي ستشرف على المشروع- والشركة اليهودية- المؤسسة التي ستنفذه اقتصادياً- حتى قضايا تهجير اليهود بطبقاتهم وتنظيم المدن في دولتهم واختيار لغتهم وعملهم وسن دستورهم. وعلى هذا الضوء يعتبر كتاب "دولة اليهود" مخطط الممارسة الصهيونية، وتظهر فيه ملامح السياسة العامة التي اختطتها المنظمة الصهيونية بعد أن قامت في المؤتمر الصهيوني الأول. وحسب المخطط تكون البداية في تعيين رقعة الأرض التي ستقوم عليها الدولة اليهودية، و"جمعية اليهود" هي التي ستختار فيما بعد إذا كانت هذه الرقعة ستكون فلسطين أو الأرجنتين "دولة اليهود" بالإنجليزية إصدار مجلس الطوارئ الصهيوني الأمريكي عام 1946 ص 95) ثم تأتي "الشركة اليهودية" لتنفذ المشروع عملياً "فتصفي مصالح اليهود المهاجرين.. وتنظم التجارة في القطر الجديد" المصدر ذاته ص 92). ويحتل فصل "الشركة اليهودية" حيزاً محترماً في كتاب "دولة اليهود" لأن هر تسل أراد أن يعالج بالتفصيل- إلى حد ما طبعاً- مسألة تصفية أموال اليهود غير المنقولة ونقلها مع رؤوس الأموال السائلة إلى القطر الجديد لاستخدامها في بناء المساكن وشراء الأراضي وتنظيم التجارة. وحدد هر تسل رأسمالاً لهذه الشركة بمقدار ألف مليون مارك (50 مليون جنيه أو 200 مليون دولار بسعر بداية القرن العشرين) واختار مركزاً لها لندن لتكون تحت سلطة بريطانيا القانونية وحمايتها. (المصدر ذاته ص 98). وتصور هرتسل وأقرانه تنفيذ المشروع على نسق الاستيطان الكولونيالي في الجزائر وروديسيا وغيرها ولذلك حين أسسوا أداة الصهيونية المالية في عام 1902 أطلقوا عليها أسم الشركة اليهودية الاستعمارية (الكولونيالية) واعتبروها "أداة الحركة الصهيونية المالية وهدفها الجوهري تطوير فلسطين والأقطار المجاورة لها صناعياً واقتصادياً" (تاريخ الصهيونية ناحوم سوكولوف جزء 2 ص 371). ولم تكن القضية مجرد تشابه في الأسماء، فقادة الصهيونية أكدوا فيما بعد التماثل بينهم وبين الممارسة الاستعمارية (الكولونيالية). وكتب الزعيم الصهيوني ناحوم سوكولوف في معرض تفسيره دوافع تأسيس شركات المنظمة الصهيونية المالية في بريطانيا: "وشجعت الإنجازات العظيمة التي حققها الغزو السلمي البريطاني (الاستيطان الاستعماري "الكولونيالي"- أ.ت) الحركة الصهيونية لتضع ثقتها وأموالها (في بريطانيا- أ.ت). لقد "خلق" سيسل رودس (الإمبريالي البريطاني الذي قاد احتلال ولايات عدة في أفريقيا وسميت روديسيا باسمه أ.ت) بمبلغ مليون جنيه فقط روديسيا التي تمتد مساحتها 750 ألف ميل مربع. وسيطرت شركة شمال بورنيو البريطانية برأسمال 800.000 جنيه على 31.000 ميل مربع، وشركة أفريقيا الشرقية البريطانية التي أشرفت على إدارة 200.000 ميل مربع بدأت بالمبلغ الذي بدأت فيه الشركة اليهودية الاستعمارية أي بمبلغ 250.000 جنيه). (المصدر أعلاه المجلد 2 المقدمة ص 47). وأكد سوكولوف هذا الأمر حين عاد وكتب في معرض مناقشته المتشككين: "وتسأل ما هي سياستكم؟ وآخرون يقولون يجب استبعاد السياسة فالصهيونية يجب أن تكون إما استعماراً وإما حركة روحية... (ولكن) يجب أن نكون صهيونيين في استعمارنا وروحنا وديننا". (المصدر أعلاه المجلد 2 ص 17). ولذلك لم يكن غريباً أن تتجه الحركة الصهيونية إلى الإمبراطورية البريطانية. وفي هذا الصدد كتب ناحوم سوكولوف أيضاً "وكان واضحاً أن تقوم بريطانيا بدور على غاية من الأهمية في السياسة الصهيونية. ومنذ البداية كانت لندن مركز المنظمة الصهيونية المالية ومحجة الصهيونية السياسية". وأضاف ولذلك قادت الطريق هرتسل إلى لندن.. فبريطانيا هي التي اقترحت إقامة الدولة اليهودية في أوغندا (أفريقيا) ونظمت بعثة العريش... لقد كانت المالية الصهيونية إنجليزية والنظرة السياسية الصهيونية إنجليزية. وهذا التجاوب بين القيادة الصهيونية وبريطانيا الإمبراطورية منذ بدء المنظمة الصهيونية أكده اللورد ملتشت في كتابه "جارك" فكتب أن الحركة نمت بعد المؤتمرين الثاني والثالث "وتحقق تقدم هام في إنجلترا حيث كان غير يهود لا معين من مؤيدي مثل العودة إلى صهيون" (ص 111). وفعلاً بدأت في هذه الفترة بالذات المفاوضات بين هرتسل ممثل المنظمة الصهيونية وجوزيف تشمبرلين سكرتير (وزير) المستعمرات البريطاني بشأن استيطان اليهود الاستعماري الكولونيالي في عدد من الأقطار. وفي المفاوضات الأولى بين هرتسل وتشمبرلين تقدم هرتسل في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 1902 بمشروع لاستعمار قبرص وشبه جزيرة سيناء حتى العريش، إلا أن تشمبرلين استبعد قبرص لأن اليونانيين والمسلمين (الأتراك) سيرفضون ذلك، ولكنه نظر نظرة إيجابية نحو مشروع استعمار شبه جزيرة سيناء (وعرف فيما بعد بمشروع العريش) واقترح على هرتسل الاجتماع باللورد لاندسون من وزارة الخارجية لهذا الغرض. (هرتسل ريدر ص 121). وتابعت المنظمة الصهيونية المشروع الذي كان يجب أن يعتمد على موافقة المندوب السامي البريطاني في مصر آنذاك، اللورد كرومر. وأرسلت بعثة لاستقصاء الحقائق إلى سيناء، بدأ بعدها هرتسل يفاوض اللورد كرومر في هذا الشأن، إلا أن الأخير تحفظ من المخطط فسقط المشروع. وبعد ذلك اقترح تشمبرلين منح أوغندا (في كينيا) للاستعمار الصهيوني واقتنع هرتسل بالعرض فبحثه في المؤتمر الصهيوني السادس في بال الذي عقد بين 23-28 آب/ أغسطس 1903، ونجح في أخذ موافقة أكثرية المندوبين على قبول العرض وإقامة "فلسطين جديدة" في تلك المنطقة. ولكن المشروع فشل لأكثر من سبب، ومن أهم الأسباب مقاومة المستوطنين الإنجليز أي استيطان يهودي واسع يهدد مواقعهم، على اعتبار أن المنطقة ستتحول إلى إقليم حكم ذاتي يهودي لو تم المشروع، ومنها معارضة قسم من الصهيونيين اختيار أوغندا اعتقاداً منهم أنها لن تحرك عواطف اليهود كما تحركها فلسطين التي ترتبط بتقاليدهم وطقوسهم الدينية. وهنا تجدر الملاحظة أن مخططات بريطانيا في هذه الفترة من بداية القرن العشرين تباينت، إلى حد ما، مع مخططاتها في أواسط القرن التاسع عشر، آنذاك كانت محافلها تدعو إلى "بعث صهيون" أو "إعادة إسرائيل" في فلسطين، وكان ذلك كما لاحظنا قد ارتبط بمشاريعها الاستعمارية- في منطقة الشرق الأوسط إبان الهزة السياسية التي أحدثتها مصر في عهد محمد علي عند محاولتها إقامة الدولة العربية الكبيرة بين 1831-1840. أما في مطلع القرن العشرين فكانت بريطانيا قد احتلت مصر ولم تكن تستطيع في ظروف التوازن الدولي الدقيق الذي أبقى الإمبراطورية العثمانية على كف عفريت (فسميت رجل أوروبا المريض) أن تخطط للاستيلاء على فلسطين، ولذلك كان اهتمامها بالمنظمة الصهيونية قائماً على رغبتها في تسخيرها لتنظيم استيطان استعماري في بعض أنحاء الإمبراطورية البريطانية وبشكل خاص في أوغندا. ولكن تغيير الأوضاع في العالم إبان الحرب العالمية الأولى وسنوح فرصة لتقسيم ممتلكات الإمبراطورية العثمانية (التركية) بعثا المشروعات الإمبريالية البريطانية القديمة وعاد البحث من جديد في "إعادة إسرائيل". المنظمة الصهيونية في الميدان الدولي: بين 21-31 آب/ أغسطس 1897 عقد في بال المؤتمر الصهيوني الأول الذي أقام المنظمة الصهيونية العالمية وصاغ البرنامج الصهيوني على الوجه الآتي: "تسعى الصهيونية إلى بناء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام (الدولي)". ويرتئي المؤتمر استخدام الأساليب الآتية (لتحقيق ذلك): - تنمية استعمار فلسطين بالعمال الزراعيين والصناعيين. - تنظيم وتلاحم اليهودية كلها (الطوائف اليهودية أ.ت) بالمؤسسات الملائمة على الصعيدين المحلي والدولي حسب قوانين كل قطر. - تقوية وتنمية الوعي ومشاعر القومية اليهودية. - اتخاذ إجراءات تمهيدية للحصول على الموافقة (الدولية أ.ت) حيث هي ضرورية لتحقيق أهداف الصهيونية. ويتضح من هذا أن التأكيد كان على أمرين: تنفيذ إقامة الوطن القومي أو الدولة اليهودية على نسق الاستيطان الاستعماري. والحصول على الموافقة الدولية حيث هي ضرورية لتحقيق أهداف الصهيونية. ويقينا أن السنوات القليلة التي قضاها هرتسل بعد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 إلى وفاته في 3 تموز/ يوليو 1904 كانت سلسلة من المحاولات للحصول على موافقة الدول الإمبريالية على مساعدة الصهيونية على تحقيق أهدافها، مقابل إسهام المنظمة الصهيونية في تدعيم استراتيجيتها الإمبريالية. والملاحظة البارزة في هذا الشأن اتصال الصهيونيين بكافة الدول الإمبريالية ابتداءً من الإمبراطورية العثمانية المتداعية والإمبراطورية الألمانية الفتية الناهضة حتى الإمبريالية البريطانية العريقة والدولة الإيطالية الحديثة التي بدأت تتطلع إلى الفوز بحصة من المستعمرات. وإذا كانت اتصالات هرتسل على الصعيد الدولي قد بدأت باجتماعه بالوزير العثماني في 21 حزيران/ يونيو 1896 لبحث الاستيطان الاستعماري في فلسطين تحت رعاية السلطان، فقد كانت إحدى مقابلاته الأخيرة في 23 كانون الثاني/ يناير 1904 مع ملك إيطاليا الذي أبدى عطفاً على مشروع الصهيونية استيطان طرابلس الغرب تحت الحماية الإيطالية. (احتلت إيطاليا طرابلس الغرب واستعمرتها استعماراً استيطانياً في 1912 وما بعد). والحقيقة أن القيادة الصهيونية، في نشاطها على الصعيد الدولي، كانت ترى مشروعاتها جزءاً من النشاط الإمبريالية وأعربت عن أهدافها بهذه الروح. ولا حاجة بنا إلى المغالاة في تقدير أهمية توجه هرتسل إلى المستشار الألماني الإمبراطوري بسمارك ليستشيره في مشروعه ويطالبه في أن يقرر في مدى فائدته للإمبريالية الألمانية المناهضة (تاريخ اليهود إبرام ليون ساخر ص 35) إنما نريد أن نثبت أن هرتسل كان دائماً يؤكد فائدة مخططه الصهيوني لأوروبا الإمبريالية. لقد كانت مقابلة هرتسل الأولى لبحث مخططه- قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول- مع الدوق الكبير بادن في كارلسرو، وكتب يصفها في يومياته فذكر أنه تكلم حول الفائدة العظمى التي تجنيها أوروبا من إقامة الدولة اليهودية. وأضاف مستعرضاً أقواله أمام الدوق: "وسنبني خطوط السكك الحديدية في آسيا لتكون طريق الشعوب المثقفة. ولن تكون هذه الطريق في حوزة أي من الدول الكبرى". وقال الدوق- وفي هذا أكثر من مدلول: "وستحل المشكلة المصرية. فبريطانيا تتمسك بمصر لأن عليها أن تدافع عن طريقها إلى الهند". (هرتسل ريدر ص 108). ومع هذا ركز هرتسل جهوداً كبيرة لكسب تأييد الإمبريالية الألمانية. وفي مقابلاته الثلاث مع قيصر ألمانيا غليوم الثاني- الأولى في استنبول في 18/10/1898 والثانية في فلسطين 29/10/1898 والثالثة في القدس في 2/11/1898- أكد على الفوائد التي ستجنيها ألمانيا الإمبريالية من تبنيها المشروع الصهيوني وحمايته، فالاستعمار الصهيوني في فلسطين برعاية ألمانيا وحمايتها سيفتح الطريق البري لآسيا من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي، وبذلك يدشن عهداً جديداً ويفتح آفاقاً رحبة. لقد أضاء وجه القيصر- حسب تعبير هرتسل- حين تكشفت أمامه الرؤيا التي رسمها هرتسل بمخططه (يوميات هرتسل المحرر مارفن لوينثال ص 272) وحين لم تثمر المساعي في إقناع القيصر الألماني لوضع الاستعمار الصهيوني تحت حمايته لاعتبارات دولية أهمها العلاقات الألمانية- العثمانية وعدم رغبة القيصر الألماني في تعكيرها، وبعد أن أحجم السلطان عبد الحميد عندما قابله هرتسل في 19 أيار/ مايو 1901 عن منح "الفرمان" بالاستعمار الصهيوني في فلسطين ركز هرتسل جهوده على كسب تأييد بريطانيا التي بادرت كما أسلفنا إلى عرض استعمار أوغندا على الصهيونيين في عام 1903. وإزاء هذا لم يكن غريباً أن يطرق هرتسل أيضاً باب القيصرية الروسية التي اقترفت مذابح اليهود في بعض مدنها محاولة منها إشغال الرأي العام وإبعاد الثورة عن بلادها. وفي هذا الإطار اجتمع هرتسل بوزير الداخلية القيصري بهلفه الذي عرف بمعاداته اليهود وكان مسؤولاً عن مذبحتهم في كيشينوف، في 10/8/1903. وفي هذه المقابلة، والمقابلة التي أعقبتها في 14 آب/ أغسطس 1903، توصل الإثنان إلى قدر كبير من التفاهم، فهرتسل تعهد بأن تسلخ الصهيونية اليهود عن صفوف الاشتراكيين، وتعهد بهلفه بتمكين المنظمة الصهيونية بالعمل (وكما قال سمح لليهود بالتنظم، الأمر الذي حرمه على المسيحيين)، كما وعد بالتدخل مع السلطان لتسهيل الاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين. (يوميات هرتسل- المحرر مارفن لوينشال- ص 389 و 401 و 402). وأصبحت مقاومة الحركات الاشتراكية الثورية التي تبناها هرتسل آنذاك تقليداً عميق الجذور في القيادة الصهيونية ولا تزال السياسة الصهيونية في هذا الميدان على حالها. الخلاف بين الصهيونية العملية والصهيونية السياسية: ومع نمو التنظيم الصهيوني على الصعيد القطري تبلورت ولاءات المنظمات القطرية كل للدولة القومية التي تنتسب إليها. وهكذا كان ولاء المنظمة الصهيونية في ألمانيا للإمبريالية الألمانية كما كان ولاء المنظمة الصهيونية البريطانية للإمبريالية البريطانية. وتجسم هذا الأمر في مجريات المؤتمر الصهيوني السابع الذي عقد في بال بين 27 تموز/ يوليو و 2 آب/ أغسطس 1905، وكان المؤتمر الأول بعد وفاة هرتسل. فلقد تقرر في هذا المؤتمر التخلي عن فكرة استعمار الصهيونية أوغندا والعودة إلى البرنامج الأصيل الذي حدد فلسطين هدفاً للاستيطان الاستعماري الصهيوني.. وعلى الأثر انشق عنه فريق من كبار الصهيونيين البريطانيين بقيادة إسرائيل زانغويل والفوا "الاتحاد الإقليمي اليهودي" وهدفه تنمية استيطان اليهود في أي جزء ملائم من العالم. وكان هذا الانقسام انعكاساً للصراع بين الدول الإمبريالية في المنظمة الصهيونية. ورفض المؤتمر العرض البريطاني لاستعمار أوغندا، وتأكيده على العمل العملي في فلسطين، واختياره المصرفي الألماني دافيد ولفسون رئيساً له رجح كفة القوى الصهيونية الموالية للإمبريالية الألمانية مما دفع زانغويل وعدداً من الصهيونيين البريطانيين إلى الانسحاب وإقامة منظمة عرفت بالمنظمة الإقليمية وهدفها التفتيش عن أقاليم لاستعمارها تحت العلم البريطاني! ولذلك كان طبيعياً فيما بعد أن يحل إسرائيل زانغويل منظمته حين وعدت بريطانيا وعدها المعروف باسم "وعد بلفور"، وبذلك دمجت المخطط الصهيوني باستراتيجيتها وألغت الفروق بين الصهيونيين البريطانيين والصهيونيين عامة على اعتبار أن الدول الإمبريالية الأخرى لم تكن في الميدان آنذاك. وقد كانت القوى الصهيونية الألمانية، الحاسمة في المنظمة الصهيونية العالمية حتى بداية الحرب العالمية الأولى حين بدأت مرحلة الحسم بين المجموعتين الإمبرياليتين الكبيرتين في العالم. آنذاك انعكس الصراع بين القوى الصهيونية الموالية للإمبريالية الألمانية والقوى الصهيونية الموالية للإمبريالية البريطانية في أكثر من ميدان، ويصور حاييم وايزمن هذا الأمر بدون أن يعترف بظاهرة انعكاس الصراع الإمبريالي في المنظمة الصهيونية حين يصف في كتابه "التجربة والخطأ" معركة اللغة التي دارت في عشية الحرب العالمية الأولى في فلسطين، فيكتب عن وجود شبكات تعليم ثلاث في فلسطين الأولى بإشراف "اليانس ازرائيلي يونفرسال" ومقرها باريس ولغة التعليم فيها الفرنسية، والثانية "هلفسفيرين در دويتشن يودين" ومقرها برلين ولغة التعليم في مدارسها الألمانية، والثانية مدرسة "افيلينا دي روتشيلد" في القدس ولغة التعليم فيها الإنجليزية. ويلاحظ أن منظمة "الهلفسفيرين" كانت أداة الدسائس "كذا بالضبط" الألمانية في الشرق الأدنى. (كتابه التجربة والخطأ إصدار شوكن نيويورك ص 142).
الاثنين, 04 يونيو, 2007
ويعلم دارسو الدين اليهودي أن الارتباط اليهودي بالعودة إلى الأرض المقدسة هو ارتباط توراتي مشروط، إذ أن الدين اليهودي يحرم العودة إلى أرض الميعاد، ويعتبر أن مثل هذه المحاولة هي من قبيل التجديف والهرطقة، لأن عودة اليهود حسب المعتقد الديني ـ لا يمكنها أن تتم إلا على يد مبعوث من الله، هو المسيح المخلص، وليس على يد حركة سياسية مثل المنظمة الصهيونية العالمية، ولذا حينما ظهرت الحركة الصهيونية عارضتها المنظمات اليهودية في العالم، وما تزال أقلية من هذه الجماعات تنادي بهذا المفهوم مثل جماعة "ناطوري كارتا" اليهودية المتدينة والتي تتمركز في الولايات المتحدة
كان مؤتمر بازل انعطافاً أساسياً في تاريخ الحركة الصهيونية، ولكنه ـ على الرغم من ذلك ـ مجرد خطوة على طريق طويل، وهكذا توجهت الحركة الصهيونية، بعد ذلك المؤتمر، للعمل على جبهتين بوقت واحد: الجبهة الداخلية بهدف استكمال تنظيماتها وكسب ولاء اليهودية العالمية، والجبهة الخارجية بهدف كسب تأييد حركة الاستعمار الأوروبي العالم